الإمام الرائد وتجديد الإنسان 2
إبراهيم الصوفي

الإمام الرائد وتجديد الإنسان

بقلم/ إبراهيم الصوفي

معيد بكلية الدعوة الإسلامية

 

في المقال السابق بينا أن الإمام الرائد جاهد حياته في رد الاعتبار للتصوف الإسلامي، وتطهيره من الدخيل الحسي والمعنوي.

وتحويله إلى أداة إصلاحية، يشارك مشاركة عملية في البناء والتقدم والتجديد الذي هو طبيعة الإسلام.

وليس بخفي أن التصوف قد تعددت تعريفاته حتى بلغت نحو ألفي تعريف.

حسب ما نبه عليه محتسب الصوفية الإمام أحمد زروق المتوفى 899هـ، وهذا التعدد علته الثراء في الحقيقة التي يبحث عنها الصوفي في سلوكه، ويدل على بُعْدِ إدراك جملتها، وأن كل أحد يعبر على حسب مَنَالِهِ منها علمًا أو عملًا أو حالًا أو ذوقًا أو غير ذلك.

والإمام الرائد رضي الله عنه ليس بدعًا في ذلك من أئمة التصوف، فقد عاش تجربته الصوفية على أساس من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، متابعًا أشياخه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال:

أمدادُ الغيب حفظناهَا ** لا يَنْهَلُ منها غيرُ نَجِي

من محض الشرع نلَقَّاهَا ** هي حجَجُ اللهِ على الحجَجِ

قد قلتُ وقلدتُ شيوخي** عبر المُنْطَلَقِ الْمُنْزَلِجِ

 

الإمام الرائد وتجديد الإنسان

 

ويصف تجربته فيقول:

 

فيا كم خَلَوتُ على جلْوَتِي ** ويا كم جَلَوتُ على خَلْوَتِي

كَتمتُ الذي كان في غَيْبَتي ** وصُغْتُ الَّذِي كَانَ في حَضرَتِي

 

وعندما نستقرء تعريفات الإمام محمد زكي إبراهيم- رحمه الله تعالى- للتصوف على أساس مقولته السابقة: ” تحويل التصوف إلى أداة إصلاحية”، نجده يقول في رسالته الخطاب:

” يا ولدي: التصوف خدمة تتكيف بحاجة كل عصر، وكل إنسان، وكل وطن، فهي تجسيد شامل لعملية الاستخلاف في الأرض..”أهـ.

فالتصوف عنده خدمة إسلامية شاملة تؤدي ما يحتاجة الزمان، وإنسانه، والوطن من حاجات ليكون تجسيدًا شاملًا للاستخلاف في الأرض، ولما كان التصوف كذلك.

فإن أشد حاجات العصر الذي نعيشه ضرورة هو إعادة الاعتبار للإنسان، الذي فقده مع شيوع الفلسفات المادية في مجتمعاتنا، حتى أمسى تصور الإنسان عن نفسه مبتورًا مشوهًا.

فالإنسان المعاصر عرف  رؤيتين متناقضتين عن نفسه: رؤية مادية ترده إلى عالم الطبيعة والمادة.

وهو طبقًا لها ليس ظاهرة متميزة عن غيره من المخلوقات، بل يعرف في إطار مجموعة من المقولات الطبيعية المادية.

والرؤية الثانية:

ترى الإنسان باعتباره كائنًا روحانيًا وحسب. وهذا ما يجعل المدنية الحديثة مدنية أحادية البعد، إما نزوع إلى المادية أو هروب إلى الروحانية المزيفة.

ولذلك نجد أحد مفكري مدرسة فرانكفورت” هربرت ماركوز” يتحدث عن( الإنسان ذو البعد الواحد).

وتعني الإنسان البسيط غير المركب، وهو نتاج المجتمع الحديث، وما لزم ذلك من صراع الإنسان مع طبيعته الخاصة.

ولا أدل على ذلك من نزوع فلاسفة الغرب إلى رؤى متباينة للإنسان، يجمعها كلها تشويه الإنسان.

واقرأ إن شئت فلسفة ” الإنسان الفرويدي، والإنسان النيتشوي، ثم الإنسان اللامنتمي).

وقد ترتب على ذلك أن الإنسان المعاصر لم يعد ينظر إلى نفسه حسب تجربته وحسب تفاعله مع واقعه، بل أضحى أسير نظرة غيره له، وينظر الآخرون له حسب مقولاتهم وتجربتهم وتحيزاتهم وأهوائهم، وهو ما دفعه إلى حافة الهاوية.

والأمر كذلك وجب على الإنسان كما يرى طه عبدالرحمن أن يبحث عن رؤية علمية، وتطبيقات عملية غير منظورة، رؤية تكون حقيقة مباينة للرؤية التي دمغت الحضارة الغربية، حتى نخرج من الحال المعاصرة للإنسان.

ولذلك هو ما يثير السؤال التالي: هل لدى الإمام محمد زكي إبراهيم رؤية عن الإنسان، وكيف نخرجه من أزمته المعاصرة؟

والإجابة عن هذا السؤال هو محل الحديث في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

 

الإمام الرائد وتجديد الإنسان

التعليقات