المسلمون بين الاعتصام والافتراق
الدكتور مدحت العزب

المسلمون بين الاعتصام والافتراق

بقلم الدكتور مدحت العزب

كاتب وطبيب مصري

 

أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالاعتصام، ووحدة الأمة الإسلامية واجتماعها.

و حذرهم بل نهاهم عن الافتراق والخلاف المؤدى إلى التشرذم و التنازع والفرقة.

فى قوله تعالى: ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ” ( ال عمران 103).

كما حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الخلاف والاختلاف، المؤدى إلى التفرق و الانقسام.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يدرك، بالطبع، أن قوة الأمة الإسلامية وعزتها فى وحدتها وائتلافها ومحبة أفرادها.

وأن ضعفها و تناحرها و انكسارها و حتفها فى تناحر قلوب و أفعال أبنائها.

وأن الاختلاف والخلاف والشقاق من أهم أسباب التشرذم، والمذهبية وانقسام الأمة إلى فرق و جماعات.

قد تكون متعادية متناحرة، رغم أن دينهم و ربهم و كتابهم و نبيهم و قبلتهم واحدة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ” ( أخرجه البخاري على ما فى الجامع الصغير  ٢-٢٩٤).

وقال عليه الصلاة والسلام: ” لا تختلفوا فان من قبلكم اختلفوا فهلكوا ” ( صحيح البخاري، باب كراهية الاختلاف ١٣- ٢٨٩).

كما قال صلى الله عليه وسلم: ” انما هلك من كان قبلكم باختلافهم فى الكتاب ” ( انظر الإحكام فى أصول  الأحكام لابن حزم  ٥ -٦٦).

 

معنى الافتراق :

والافتراق لغويا هو خلاف الإجتماع، والتفرق والإفتراق سواء فى المعنى،يقال؛ فرقت بين الكلامين فافترقا، وفرقت بين الرجلين فتفرقا .( لسان العرب، مادة فرق ١٠-٣٠١).

والافتراق والتفرق مذموم منهى عنه، لأنه يؤدى إلى ضعف الأمة و تشتتها إلى فرق و جماعات.

 

المسلمون بين الاعتصام والافتراق

الاختلاف والخلاف

أما الاختلاف والخلاف: فالإختلاف هو نهج الشخص لطريق مغاير للآخر فى القول أو الفعل.

و الخلاف أعم من الاختلاف، لأن كل مخالفين مختلفين، وليس كل مختلفين مخالفين.

فالناس مختلفون فى أشكالهم و أفكارهم و ذوقهم و ألوانهم .

و كذلك الاختلاف فى الألسنة و العرق و غيرها من سيرورة و طبيعة الكون.

وهذا الاختلاف من حكمة الله تعالى، فلو أن البشر جميعا سواسية فى كل شىء لاستحالت الحياة.

واستحال عمران الكون وازدهار الحياة، مصداقاً لقوله تعالى:

” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ،ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم ” …هود ١١٨-١١٩.

فالاختلاف من طبيعة الكون و سيرورة الحياة، وهذا اختلاف محمود لتنوع الأفكار والأراء، طالما التزم الضوابط الشرعية وأساسيات العقيدة والدين، طالما التزم بأداب الحوار والاختلاف و تقبل حجية الرأى الآخر أو رفضها بإقامة حجيته، وفى هذا مجال متسع للاجتهاد و هو باب رحمة يكفله الدين لابنائه من مقاصد الشريعة الحكيمة.

وبذلك يمكن تقسيم الاختلاف من الوجهة الشرعية إلى ثلاثة أقسام:

الأول.. فى الأصول والعقائد وهو الذى نص عليه القرآن الكريم و صحيح السنة الفعلية و القولية.

وهو بلا شك محرم،منهى عنه، وبدعة وضلال، وقد يصل بصاحبه إلى الكفر.

وهذا القسم هو المؤدى إلى افتراق و تشرذم وتناحر الأمة الإسلامية الواحدة.

الثانى.. فى الحروب والأراء أو القضايا الجوهرية التى تمس صيانة و سلامة الدين و الأمة.

و هو أيضا حرام منهى عنه، لأن فيه تضييع لوحدة و مصالح الأمة.

والثالث.. فى الفروع، وهو المحمود الذى لا يمس ثوابت العقيدة، بل يمكن اعتباره باب رحمة وتسهيل على الناس فى الفتاوى الفقهية فى مسائل الحلال والحرام، واختلاف الفقهاء، والذى يراعى الضوابط الآتية:

  • الالتزام بما جاء بكتاب الله وسنة الرسول الصحيحة.
  • الاجماع، ويقصد به إجماع الصحابة والتابعين وفقهاء الأمة.
  • القياس.
  • الاستحسان.
  • الحكم بسد الذرائع و درء المفاسد.
  • النظر فى جلب المصالح
  • ضوابط فقه الواقع التى يعرفها علماء الفقه.

 

نظرة سريعة على تاريخ الخلاف بين المسلمين

يمكن القول بأنه من الثابت تاريخيا، ومن تتبع تاريخ نشأة الفرق والجماعات الاسلامية، أن الخلاف على الإمامة أو الخلافة أو الحكم هو أعظم وأهم سبب لافتراق و خلاف الأمة الإسلامية.

فما سل سيف فى الاسلام  بين المسلمين، مثل ما سل بسبب الصراع والخلاف على الحكم، وهذا يؤكد أن تشرذم الأمة الإسلامية إلى جماعات وفرق مختلفة.

بل أحيانا متعادية، هو السبب السياسى، وليس اختلافا دينيا أو عقائديا، إلا أن كل فرقة أو جماعة كانت تحاول أن يجد لحجته ومطالبته بالحكم، سندا أو حجة دينية أو عقائدية.

ومن هنا، حادت بعض هذه الفرق والجماعات، فى أفكارها و عقائدها عن أصول أهل السنة والجماعة، و تحول الخلاف من صراع سياسى، إلى خلاف مذهبى .

وتعددت الفرق والجماعات والمذاهب  التى حادت فى كثير من الأحيان عن أصول الجماعة الاسلامية، و الثابتة بالكتاب والسنة، وتحقق قوله صلى الله عليه وسلم:

” افترقت اليهود على احدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة”.

رواه أبو داود من حديث أبى هريرة، و صححه الألباني فى السلسلة الصحيحة ص٢٠٣، وقال عنه : أخرجه أبو داود و الترمذي، وابن ماجة وابن حبان ،و الأجرى والحاكم وأحمد و أبو يعلى.

الخوارج

فالخوارج ،هى أول فرقة تخرج عن الجماعة، وسموا بذلك للخروج عن طاعة الأمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، كما سموا ” الشراة” أى الذين شروا أنفسهم لله -بزعمهم-، و كانوا يعرفون قبل ذلك بالقراء، لكثرة تلاوتهم وعبادتهم، ورغم تميزهم بالصدق والتدين و التعبد، إلا انهم كفّروا المسلمين، واستحلوا دماءهم بمجرد المعاصى أو مخالفتهم، وقسّموا دار الإسلام إلى دار إسلام تخصهم، ودار حرب تخص مخالفيهم.

الشيعة

ثم ظهرت الشيعة، الذين اتخذوا من مناصرة الإمام علي وآل البيت سندا لمذهبهم، رغم أن مؤسس فكرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودى، وهو رأس الفتنة، الذى زرع فكرة التشيع وعودة الامام علي، مثلما يعود السيد المسيح -عليه السلام-.

والشيعة فرق كثيرة، منها المغالي في الاعتقاد، ومنها المعتدل، وقد حكم عليهم الصحابة منذ ظهورهم، حسب درجاتهم فى الغلو، أو أصولهم المعارضة للكتاب والسنة.

المعتزلة

ثم ظهرت ” المعتزلة ” ومؤسسها واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغلب على عقيدتهم الفكر والكلام، إلا إنهم حادوا كثيرا عن الأصول الاسلامية، في نفي الصفات عن الله، وحكم مرتكب الكبيرة، والمنزلة بين المنزلتين، وفتنتهم الشهيرة ” خلق القرآن ” التى أدت إلى منازعات و خلافات كثيرة طالت الفقهاء وأئمة الاسلام، مثل الامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، و تفرقت عن الفرق الأساسية الكثير من الفرق والجماعات، منها ما استقل بفرقة، و منها من انضوى تحت الفرقة الأساسية وإن غير فى قواعد فرقته، وبعض الفرق غلب عليها الاعتدال، وكثير منها غلب عليها الغلو والبعد عن أصول العقيدة، مما سبب الكثير من الصراعات و الخلافات و التشرذم والوهن فى جسد الأمة الإسلامية.

ولا يتسع المجال لذكر جميع الفرق والجماعات الاسلامية، التى حادت عن منهج أهل السنة والجماعة، إلا إنه يمكن التأكيد على أن الافتراق، وكما حذر القرآن الكريم، وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم، وللأسف الشديد، دب فى جسد الأمة الإسلامية، أدى إلى افتراقها إلى الكثيرمن الفرق والجماعات، مما أفقد جماعة المسلمين، أهم مقوماتها، وهو الاعتصام والتوحد والتآلف، ذلك الاعتصام الذى سطع جلياً فى عهد النبوة والخلافة الراشدة، وأيام عزة المسلمين، وكان الإخاء بين مهاجرى مكة وأنصار المدينة مثالا لذلك، حيث كان المسلمون مجتمعا واحدا، وجماعة واحدة، نبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، مما مكن المسلمون من فتح البلاد، ونشر الإسلام، وتأسيس أعظم حضارة إنسانية عرفتها البشرية.

فيا مسلمى اليوم : اتحدوا و عودوا أمة واحدة .

 

المسلمون بين الاعتصام والافتراق

التعليقات