تجهيز النفس في شهر شعبان قبل دخول رمضان

 

 

▪️بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

 

▪️مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف

 

ها هي نسائم شهر الرحمة تهب علينا ، ونتنشّق عبيرها من قريبٍ قريب ونتلمَّس أثر لطائفها ونفحاتها ورحماتها وللنفس منها شوق رهيب .

 

والعاقل من يُحسن البدار لاستقبال شهر رمضان بالصالحات والطاعات والأعمال المباركات .

 

ولقد كان الصالحون يُجهّزون أنفسهم لمبادرة رمضان قبل أن يُبادرهم .

 

ومما تجدر الإشارة إليه في تجهيز النفس في شهر شعبان قبل دخول رمضان :

 

الإكثار من قراءة القرآن ، والتخفيف من التعلق بالأشغال الدنيوية :

 

قال أنس بنِ مالك رضي الله عنه :

 

كان المسلمون إذا دخل شعبان أكبوا على المصاحف فقرؤوها .

 

وقال سلمة بن كهيل :

 

“كان يُقال : شهر شعبان شهر القُرَّاء حيث كان السلف الصالح يُكثرون فيه من قراءة القرآن” .

 

وكانَ حبيبٌ بن أبِي ثابت إذا دخل شهر شعبان قال :

 

” هذا شهر القُرَّاء ” .

 

وقد ذكر الإمام ابن رجب في لطائف المعارف :

 

أنَّ عمرو بن قيس رحمه الله كان إذا دخل شعبان أغلق تجارته وتفرغ لقراءة القرآن .

 

وكان الحسن بن شهيل يُكثر فيه مِن قراءة القرآن ويقول :

 

“ربِّ جعلتني بين شهرين عظيمين” .

 

إخراج أموال الزكوات تجهيزاً لشهر رمضان :

 

ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ المسلمين كانوا إذا دخل شعبان أخرجوا زكاة أموالهم تقوية الله للضعيف والمسكينِ على صيام رمضان .

 

إصلاح القلب ومعالجة أمراضه :

 

لقد كان الصالحون يقولون :

 

“طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان” .

 

فلنتفقد قلبنا وإيماننا بإصلاحها وتخليتها من الذنوب وإعمارهما وتحليتها بالطاعات قبل رمضان .

 

ولن يقبل المرء الموعظة إن فسد قلبه ؛ قال الله تعالى :

 

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }

 

فلزم شرعاً تجديد الإيمان قبل رمضان ؛ ليكون هو الأساس لكل عمل خير ؛ فإذا تأسس القلب على الإيمان أدرك أنّ رمضان مجاله تنمية الإيمان في بدن الإنسان ؛ حتى يحصد المرء نتائج قوّة الإيمان في رمضان وما بعده .

 

كثرة عمل الخير في شعبان فإنه الشهر الذي ترفع فيه أعمال السنة إلى الله :

 

فإن أعمال العباد ترفع في شهر شعبان كما أَخبرَ به ﷺ وحين سئل عن كثرة صومه في شعبان قال :

 

” أنهُ شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ؛فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ” .

 

[رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة]

 

هرولة الروح نحو الطاعات وترويضها على جملة من العبادات :

 

قال أحد الصالحين :

 

من لم تهرول روحه في شعبان عجزت عن الركض في رمضان” .

 

فلنجدد العزم ولندرك النفس بالحزم بتحقيق عبادات كثيرة في شهر شعبان ولنروّض أنفسنا على ذلك فلا أنفع من رياضة النفس في ميدان العبادة للفوز بالأجر من الله تبارك وتعالى .

 

كثرة الصيام في شهر شعبان :

 

قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

 

” لم أر النبي ﷺ صام شهراً كاملا قط غير رمضان وكان يصوم شعبان إلا قليلا ” .

 

[ أخرجه مسلم]

 

ولهذا كان سلفنا الصالح يكثرون من الصيام في شهر شعبان .

 

وقد قال ابن رجب :

 

صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم وأفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها ، وهي تكملة لنقص الفرائض ، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده .

 

ويقول كذلك رحمه الله :

 

” صيام شعبان ﻛﺎﻟﺘﻤﺮﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺻﻴﺎﻡ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﻟﺌﻼ ﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺻﻮﻡ ﺭﻣﻀﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﻘﺔ ﻭﻛﻠﻔﺔ ” .

 

كثرة الصدقات والنفقات على الفقراء والمساكين في شعبان فإن سلفنا الصالح كانوا يُكثرون من الصدقة في شعبان .

 

اليقظة في وقت الغفلة قبل شهر رمضان

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال :

قلت : يا رسول الله : لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟

 

قالﷺ :

 

“ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”.

 

[رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة].

 

قال الحافظ ابن رجب :

 

” وفي قوله ﷺ :

 

” ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان” .

 

دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة وأنَّ ذلك محبوب لله عز وجل” .

 

دعاء الله أن يبلغنا إدراك شهر رمضان :

 

قال المعلى بن الفضل :

 

كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان .

 

وقال يحيى بن أبي كثير :

 

كان من دعائهم :

 

اللهم سلمني إلى رمضان ، وسلِّم لي رمضان وتسلَّمه مني متقبلاً .

 

هذه جملة من التنبيهات التي نحتاجها كجرعة إيمانية في شهر شعبان تذكيرا للغافل ، وتنبيها للناسي ، وتجديدا لهمة المتذكر .

 

والله الموفق والمعين .

التعليقات