بقلم الشيخ/ أحمد على تركى
من مشهور الأقوال في أهل الأعراف أنّهم قومٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم ؛ فيقفون في مكانٍ عالٍ بين أهل الجنة والنار ؛ حتى تشملهم رحمة الله وعفوه ؛ ويُدخلهم الجنة في نهاية المطاف.
أمّا الذي يظهر لي قوة تحقيقه وهو قول ثابتٌ في كتب التفسير أنَّ أهل الأعراف هم :
عدولُ الناس من الصالحين يوم القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمّة ، فالرسول عليه الصلاة والسلام يشهد على أمّته ؛ وأمّة الإسلام شهيدة على عدد من الأمم.
ومن يتأمّل سياق الآيات في سورة الأعراف ؛ من آية (44) وحتى آية (51) فقد يظهر له معنى ذلك ؛ وأطلب من القارئ أن يجلب المصحف ويقرأ الآيات ثلاثا بتأمل وتدبر ؛ ثم يقرأ معي هذه الاستنتاجات.
فإن من سياق الآيات وسباقها ولحاقها يظهر لي والله أعلم :
1. أنّ أهل الأعراف شهودٌ على ما يجري بين نداءات أصحاب الجنة وأصحاب النار.
2. أنّ معرفة أهل الأعراف لكلِّ فئة بسيماها مزيّة ومنزلة كبيرة ؛ لا يحظى بها إلاّ أهل العدالة والمعرفة والإلهام الربّاني ؛ إذ يعرفون سيما المؤمنين والكافرين.
3. أنّ طريقة خطاب أهل الأعراف للمؤمنين والكافرين تشي وتُشعر أنّ ثمّة شهادة منهم وتوصيف لأحوالهم.
4. أنّ منزلة الأعراف عالية رفيعة إذ يرون أهل الجنة وأهل النار رُغم وجود الحجاب بينهما.
5. أنّ قول الله تعالى لأهل الأعراف :
{ ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}
يدل على أنّهم لم ينالهم شيء من الحزن والخوف ؛ وأنّ الله تعالى أطبق الجنة عليهم بإدخالهم فيها بعدما شهدوا وحكموا على الناس.
إنّ من المعلوم أنّ رسول الله يشهد على الناس ؛ كما قال تعالى :
{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }.
وأنّ أمّة الإسلام تشهد على عموم الناس كما قال في خطاب هذه الأمة :
{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}
وأنّه تعالى ذكر صفة يوم القيامة واصطحاب الشهداء من أمّة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حيث يستشهدهم ربهم على الرسل في تبليغيهم الرسالة؛ حين جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله فيقول تعالى :
{وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون}.
فإذا تقرر ما أسلفتُ ذكره بأنّ أهل الأعراف هم عدول الناس وصالحيهم يوم القيامة من أهل الشهادة على الناس ؛ كان ذلك معيناً ومُساعداً على فهم معنى قوله تعالى :
{ فأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُـعِدُوا فَفِي الْجَنَّـةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْـرَ مَجْـذُوذٍ}
[سورة هود، الآيات 106-108].
إذ إنّنا نفهم منه أنّ الاستثناء في قوله تعالى :
{ إلا ما شاء ربك }
في أهل النار وأهل الجنة ؛ أنّهما لم تُغلقان عليهما بعد .
فهنالك من سيدخل في النار من أهل الجنة ابتداءً ثمّ برحمة الله يخرج منها إلى الجنّة انتهاءً.
وهنالك من سيقف بين أهل الجنّة والنار ابتداءً؛ ولا يدخل الجنّة إلاّ بعد دخولهم فيكون ذلك لهم انتهاء وهم أهل الأعراف.
فيكون نقصان من هم الجنة بتتميم من دخل إليها من النار ، أو من لم يدخلها بعد ؛ وفي تتميم أهل النار على من هم عليها وتنطبق ويخلدون في زيادة أناس من أهل الجنّة حقّهم أن يخرجوا من النار لأنّها لا تُطبق على موحد؛ حتى يشاء الله لهم الدخول فيكتب لهم الخلود في الجنة، ويكتب الخلود لأهل النار.
🌱لقد بيّن ذلك الحسن البصري حين قال في تفسير قوله تعالى :
(لم يدخلوها وهم يطمعون)
قال : والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم ، إلا لكرامة يريدها بهم .
فإذا قيل :
إذا كان أهل الأعراف هم عدولُ الناس من الصالحين يوم القيامة فلماذا يدخلون الجنة آخر الناس؟
أليس في ذلك حرمان لهم؟
فيقال :
لقد أجاب عن ذلك الحسن البصري حين قال في تفسير قوله تعالى :
(لم يدخلوها وهم يطمعون)
فقال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم ، إلا لكرامة يريدها بهم.
وقاله كذلك سعيد بن جبير .

التعليقات