التدهور الأخلاقى

بقلم/ الشيخ أحمد على تركى

هل عدنا للعصر الجاهلي ، والعصور الوسطى ؟

أظن أن ما وقع ويقع يذكرنا بالعصور الجاهلية والوسطى ؛ غير أن أهل عصرنا تفوقوا عليهم بالسلبية ، وتبلد المشاعر ، ولعل هذا من آثار إفساد الفطر الإنسانية .

تخيل أن الناس في حادثة الإسماعيلية اجتمعوا ورأوا هذا الذي تنصلّ مِـن كُـل شيء وقطعَ رأس شاب وسارَ بها بزهوٍ وخُـيلاء وغادَر ، هناكَ من التقطَ الصور وآخرون اكتفوا بالذُعر، ولم يأتي أحد ليمنعه أو يوقفه!

حادثة الاسماعيلية

ذبح رجل على مرأى ومسمع من الذكور لا الرجال فلم يحرك أحد منهم ساكناً لمنع القاتل من جريمته ، أو الفتك به بعد ارتكابها ؛ وإنما اكتفوا بالفرجة ، ولا عجب فى ذلك ؛ فهم يقضون حياتهم متفرجين على أفلام الأكشن ، وأهل الخير منهم يتفرجون فى وسائل التواصل على مشاهد قصف النساء والأطفال ويرون الجثث غارقة فى بحور الدماء ؛ فيشيح بوجهه متأثراً ثم يكتب تعليق “حسبنا الله ونعم الوكيل“.

فماذا ينتظر من هؤلاء حين يرون مشهد ذبح رجل ، بل ويرافقون القاتل فى سيره متبختراً فى الشارع وهو يحمل رأس القتيل فى يده مزهواً يتجول بها ، فيكتفون بالتصوير وتوثيق اللحظة التاريخية كى لا تفوت .

أين رجالنا وشبابنا من دفع الصائل ، وأن يسترخص أحدهم دمه فى سبيل الدفاع عن النفس والمال والعرض؟

جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فقالَ :

 يا رَسولَ اللهِ ، أرَأَيْتَ إنْ جاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مالِي؟

  قالَ: فلا تُعْطِهِ مالَكَ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قاتَلَنِي؟ 

  قالَ: قاتِلْهُ قالَ: أرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ 

  قالَ: فأنْتَ شَهِيدٌ، قالَ : أرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟

   قالَ: هو في النَّارِ. 

(صحيح مسلم)

وقال صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ :

“مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظلمَتِه فهوَ شهيدٌ “.

وقال صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ :

“ما من مسلمٍ يَخذِلُ امرأً مسلمًا في موضِعٍ تُنتهكُ فيه حُرمتُه ويُنتقَصُ فيه من عِرضِه ؛ إلا خَذَلَه اللهُ في مواطنَ يُحبُ فيه نصرتَه ، وما من امرئٍ ينصرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتقَصُ فيه من عرضِه ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتِه ؛ إلا نصرَه اللهُ في مواطنَ يُحبُ فيه نصرتَه.”

من أروع ما قرأت فى تشريح هذه النفوس السقيمة التى غشيها الوهن والجبن والبخل ؛ فما عادت تعقل معانى النصرة والنجدة ، ولو غريزياً؛ بعد أن اندرس الدافع الديني لديها بما فرضه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من واجب النصرة ، ما كتبه محمد حافظ رحمه الله ورفع درجته فى عليين بعنوان:

المتفرجون أبدا…!

إن من المعاني ما لا تستطيع الحروف أن تحيط به.. إما لِغَورِ تلك المعاني أو لامتدادها الشاسع في رقعة الوجدان أو لثقلها الكبير على النفس…

فالحروف والحال هذه لا تأتي إلا على بعض ما قام في النفس من ألم ، وما يبقى يظل يحفر في الذات..

جاء وفدٌ من أهل حمص ، لخليفتهم عمر رضي الله عنه ، يشكون له واليهم سعيد بن عامر الجمحي ، كان من بنود الشكوى التي بُرِّء منها :

 “أن الغشية تأخذه بين الحين والحين”

فسأله عمر عن ذلك فقال :

لقد شهدتُ مصرع خبيب الأنصاري بمكة ، وقد بضّعت قريش لحمه ، وحملوه على جذعة ، وهم يقولون له :

أتحب أن محمداً مكانك ، وأنت سليمٌ معافى؟

فيجيبهم قائلاً : 

“والله ما أحب أني في أهلي وولدي ، معي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة”.

فكلما ذكرتُ ذلك المشهد الذي رأيته وأنا يومئذ من المشركين وكيف أني تركت نصرته ، إلا ظننت أن الله لايغفر لي ، وأصابتني تلك الغشية .

لقد أسلم سعيد بن عامر رضي الله عنه ، وحسن إسلامه ، والإسلام يجبُّ ما قبله .

ثم إنه شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه جميع المشاهد والغزوات وتغيرت أمور كثيرة في حياته ، وتقلبت به الأحوال والأماكن وغابت صورٌ متعددة عن ذاكرته..

ولكن دعوة خبيب لم تغب يوماً عن سمعه ولا جسده المقطع عن بصره ولا ذلك اليوم عن كل مشاعره ، وأحاسيسه ، وذكرياته ؛ فكانت تصيبه غشية إغماءة لا تتركه ؛ حتى عُرف بها.

يقف اليوم كثيرون موقف خبيب رضي الله عنه ؛ مصلوبون على جذوع الدساتير الوضعية ، وأسنة القوانين الدولية ومقطّعون بسكاكين الحضارة والمدنية وصواريخها الذكية ومشنوقون بأحكام جائرة ..

يلاقون ما لاقاه رضي الله عنه من تمزيقٍ لدينهم ، وفتنةٍ في عقيدتهم ، وبطشٍ وتنكيلٍ يُصب على أجسادهم ، وتقطيعٍ لأوصالهم ، وتفريقٍ بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وأزواجهم.

وفي المقابل ؛ يقف جمهورٌ عريض ، وصفٌّ طويل من المتفرجين!

ينظرون إلى هذا المشهد المتكرر كل يوم في برود ، ويمضون في حياتهم العادية لامبالين!

ولا يعدون صورة الضحية المعلقة على رؤوس الأشهاد إلا مادة إخبارية للتسلية أو مشهدا في أحد الأفلام..

يقفون هذا الموقف ، وهم يفهمون أن سبب ذلك كله هو الظلم والطغيان والفساد في الأرض، وتغييب منهج الله عن واقع الناس وحياتهم!

إنهم أيضاً يسمعون بوضوح كل “خبيب” في كل يوم يدعو قبل صلبه ؛ على كل من حضر مشهد قتله ولو متفرجاً .

ثم لا يحركون ساكناً ، ولا يغيثون مستغيثاً ، ولا يفكون أسيراً ، ولا يؤون طريداً ، ولا ينصرون مظلوماً ولا يواجهون ظالماً!

إن هذا المشهد يتكرر كل يوم ومنذ عشرات السنين وطوابير المتفرجين هي هي تروح وتغدو وكأن شيئاً لم يكن!

وكأن الأمر لا يعنيهم ! وكأننا لسنا بشر.. وكأنهم ليسوا طرفاً في هذا الصراع..

دائما متفرجون ؛ دائما يبررون تخاذلهم عن نصرة المستضعفين من إخوانهم بالضعف والعجز وهم دائماًا لا يسعون لرفع هذا الضعف والعجز..

عزيزي المتفرج ؛ إنه أيضاً دينك ؛ وقضيتك.. .. الواجب يلاحقك مثلهم ، والمسئولية تطاردك مثلهم والتكليف يخاطبك مثلهم..

والأمر جلل ؛ فإن لم تستطع نصرة خبيب.

فعلى الأقل ، لتدركك غشية سعيد..

صدقوني ؛ إن السلوك الانساني باتَ مُخيفًا ، سنوات من ضياع الهويّة ، جعلت الوازع الديني والأخلاقي مُنتهي!

هذا الحادث سنرى له تفسيرات وتأويلات وتبريرات نفسيّة، لكن تخيل معي أنك تسير بالشارع لتجِد شخص يذبح آخر ويسير برأسه بدم بارد ! ماذا تركنا لسينما هوليوود!

التعليقات