توفيق الحكيم.. في ذكرى ميلاده الـ125.. أشهر المحطات في حياة «عملاق المسرح العربي»
توفيق الحكيم

توفيق الحكيم.. تحل علينا اليوم ذكرى ميلاد «عملاق المسرح العربي»، الأديب الكبير توفيق الحكيم، الذي ولد 9 أكتوبر عام 1898، وخلال مسيرته الأدبية قدم أكثر من 100 مسرحية و62 كتاب، لذلك دعونا نتعرف على أهم المحطات في حياة «رائد المسرح الذهني».

طفولة مزدوجة الثقافات

ولد توفيق إسماعيل الحكيم بمحافظة الإسكندرية في 9 أكتوبر عام 1898، لأب مصري من أصل ريفي، وأم تركية أرستقراطية كانت ابنة أحد الضباط الأتراك المتقاعدين.

وكان والده يعمل في سلك القضاء في مدينة الدلنجات بمحافظة البحيرة.

وعندما بلغ توفيق 7 أعوام ألحقه والده بمدرسة دمنهور الإبتدائية، واستمر فيها حتى أنهى تعليمه الإبتدائي عام 1915.

ثم التحق بمدرسة حكومية في محافظة البحيرة، ليواصل تعليمه الإعدادي.

بعد ذلك انتقل مع أعمامه إلى القاهرة، ليلتحق بمدرسة محمد علي الثانوية؛ بسبب عدم وجود مدرسة ثانوية في منطقته.

موسيقى وتمثيل.. وبدء الانجذاب للمسرح

ومع انتقال توفيق الحكيم للعيش في القاهرة، أتاح له البعد عن عائلته نوعًا من الحرية؛ فأخذ يهتم بآفاق مختلفة، مثل: الموسيقى والتمثيل، ووجد من تردده على فرقة جورج أبيض؛ انجذابه القوي للمسرح والجوانب الفنية الأخرى.

توفيق الحكيم

الثورة المصرية والانضمام للمظاهرات

عندما اندلعت الثورة المصرية عام 1919، شارك توفيق مع أعمامه في صفوف المقاومة، لكن سرعان ما قبض عليهم وادخلوا سجن القلعة.

إلا أن والد توفيق تمكن من نقله إلى المستشفى العسكري وهناك أفرج عنه.

توفيق الحكيم يعمل محاميًا

عاد توفيق بعد خروجه من السجن لاستئناف دراسته، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1921.

ثم التحق بكلية الحقوق تلبيًا لرغبة والده وتخرج منها 1925.

بعد ذلك تدرب توفيق الحكيم بمكتب أحد المحامين المشهورين ليعمل محاميًا فيما بعد، لكن لم يدم ذلك طويلًا.

البعثة إلى باريس وتنامي الفن

استطاع والد توفيق الاتصال بأحد أصحاب النفوذ في البلاد.

وأوفد الحكيم ابنه في بعثة دراسية إلى باريس لمتابعة دراساته العليا؛ بغرض الحصول على شهادة الدكتوراة في الحقوق، والعودة للتدريس في إحدى الجامعات المصرية الناشئة.

غادر توفيق إلى باريس في الفترة ما بين 1925 – 1928، وهناك كان يزور متاحف اللوفر وقاعات السينما والمسرح ودار الأوبرا.

كما اكتسب ثقافة فنية وأدبية واسعة من خلال الاطلاع على الأدب العالمي.

بدأ فتيل الفن يشتعل في قلب توفيق، فلم يعد يهتم بحصوله على الدكتوراة، وانصرف عن دراسة القانون واتجه إلى الأدب المسرحي والقصص.

توفيق الحكيم يعود صفر اليدين

استدعى الحكيم ابنه بعد 3 سنوات من إقامته في باريس عام 1927، ليتفاجأ أن ابنه عاد خالي الوفاض، فلم يحصل على الشهادة التي أوفد من أجلها.

توفيق الحكيم ومناصب السلك القانوني

ومن جديد اضطر توفيق للعمل في السلك القانوني، فقد عمل وكيلًا للنائب العام في المحاكم المختلطة بالإسكندرية، ثم في المحاكم الأهلية عام 1930.

العودة لعالم الثقافة والفن

عاد الشغف الأدبي يطارد توفيق من جديد، فكتب العديد من المسرحيات وألف مجموعة فريدة من الكتب.

وفي عام 1934 عمل توفيق الحكيم مفتشًا للتحقيقات بوزارة المعارف، واستغل توفيق عمله في التعرف على الأدباء والكتاب والانخراط في الوسط الذي طالما عشقه.

بعد ذلك انتقل توفيق ليعمل مديرًا لإدارة الموسيقى والمسرح بالوزارة عام 1937، ومنها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ليعمل مديرًا لمصلحة الإرشاد الاجتماعي.

وفي عام 1954 عين توفيق مديرًا لدار الكتب المصرية، كما انتخب عضوًا عاملًا بمجمع اللغة العربية.

كذلك عيّن عضوًا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدرجة وكيل وزارة في 1956.

وفي عام 1959 عيّن توفيق مندوب مصر بمنظمة اليونسكو في باريس.

ثم عاد إلى القاهرة عام 1960 واستمر في موقعه في المجلس الأعلى للفنون والآداب.

بعد ذلك عمل مستشارًا بجريدة الأهرام ثم عضو بمجلس إدارتها في 1971.

توفيق الحكيم

الحكيم ليس عدوًا للمرأة

أشيع عن توفيق الحكيم عداوته للمرأة، إلا أن كتاباته تشهد بعكس ذلك تمامًا.

فقد حظيت المرأة بنصيب وافر في أدب الحكيم، وتحدث عنها بكثير من الإجلال والاحترام.

فالمرأة في أدب الحكيم تتميز بالإيجابية والتفاعل، ولها تأثير واضح في دفع عجلة الحياة والسير إلى الأمام.

ويبدو ذلك واضحًا في مسرحياته مثل شهرزاد، إيزيس، الأيدي الناعمة، بجماليون، الرباط المقدس، عصفور من الشرق، عودة الروح.

ولعل السبب في أخذ الحكيم لقب «عدو المرأة»، ويعود لما رواه لصلاح منتصر في كتابه «شهادة توفيق الحكيم الأخيرة».

فقد ذكر أن الحكيم هاجم أسلوب السيدة هدى شعراوي في تشكيل عقلية المرأة المصرية خاصة البنات، عندما حذرتهن من الاستمرار في حياة الجواري وخدمة الرجال والأزواج في البيت؛ لأنهن مساويات للرجل في كل شيء.

واشتكى للحكيم بعض الأزواج من البنات والزوجات، اللاتي يفكرن بطريقة شعراوي وفهمهن لرقي المرأة بطريقة خاطئة.

فكتب الحكيم في ذلك، ونصح الزوجة الحديثة بأن تعرف على الأقل كيف تعد الطعام لزوجها، وبيّن لها أن أسهل صنف يمكن أن تطبخه هو صينية البطاطس في الفرن.

زواج توفيق الحكيم خبر لم تعلمه الصحف

في 1946م تزوج الحكيم أثناء عمله في صحيفة «أخبار اليوم»، وأنجب طفلين هما إسماعيل وزينب، ولم يخبر أحدًا بأمر زواجه.

لدرجة أن مصطفى أمين علق قائلًا: “نحن الصحفيين مهمتنا الحصول على الأخبار، ولا نعرف بزواج الحكيم”.

روح المحامي تظهر في كتابات الحكيم.. الحق والعدل والمساواة

توفيق الحكيم هو مؤلف إبداعي استلهم موضوعاته من التراث المصري عبر عصوره المختلفة، كما استمد قضاياه المسرحية والروائية من الواقع الإجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر له.

كما تبنى الحكيم عددًا من القضايا القومية والاجتماعية، وعنى ببناء الشخصية القومية، وتنمية الشعور الوطني ونشر العدل الاجتماعي وترسيخ الديمقراطية وتأكيد مبدأ الحرية والعدل والمساواة.

أسلوب كتابة توفيق الحكيم.. واقعية تمتزج بالخيال

اتسم أسلوب الحكيم بقدر كبير من العمق والوعي، إلا أنه كان واضحًا بعيدًا عن التعقيد والغموض.

كذلك تميز أسلوبه بالدقة والتكثيف الشديد وحشد المعاني والدلالات المعبرة والقدرة الفائقة على التصوير، كما عمل على المزج بين الرمزية والواقعية بشكل فريد.

توفيق الحكيم

مراحل كتابات توفيق الحكيم

أشار النقاد أن كتابات توفيق الحكيم مرت بـ3 مراحل مختلفة:

1- المرحلة الأولى.. الاضطراب

اتسمت المرحلة الأولى بشيء من الاضطراب واقتباس الكثير من التعبيرات السائدة، منها قصة “عصفور من الشرق”، و”عودة الروح” ومسرحية “أهل الكهف”.

2- المرحلة الثانية.. التمكن من اللغة

تمكن الحكيم في المرحلة الثانية من مطاوعة الألفاظ للمعاني، واستطاع بشيء من التدرج التمكن من الأداة اللغوية، وفيها كتب “شهرزاد”، و”الخروج من الجنة”.

3- المرحلة الثالثة.. تطور الصياغة

اتسم أسلوب الحكيم في المرحلة الثالثة بتطور الكتابة الفنية، التي عكست قدرته على صياغة الأفكار والمعاني بصورة جيدة، ومن ذلك مسرحيتي “سر المنتحرة”، “نهر الجنون”.

رائد المسرح الذهني

كانت معظم مسرحيات الحكيم من النوع الذي يطلق عليه «المسرح الذهني»، الذي يكتشف من خلاله القارئ عالم من الدلائل والرموز، يمكن إسقاطها على الواقع بسهولة ويسر.

وكانت مسرحية «أهل الكهف» التي عُرضت عام 1933، بذرة ذلك التيار الذهني، واعتبرت حدثًا هامًا في الدراما العربية، حيث يقول الحكيم:

“إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارا تتحرك في المطلق من المعاني، مرتدية أثواب الرموز، لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة”.

الحكيم يتربع عرش الأدب

كتب توفيق الحكيم العديد من الأعمال الأدبية الرائدة منها الروايات مثل: (عودة الرّوح، عصفور من الشّرق، حمار الحكيم، الرّباط المُقدس).

كذلك نهل نهلًا واسعًا في كتابة القصص القصيرة مثل: (عهد الشيطان، سلطان الظلام، عدالة وفن قصص، ليلة الزفاف).

وبالطبع رائد المسرح قدم عددًا كبيرًا من المسرحيات تجاوزت 100 مسرحية منها: (أهل الكهف، شهرزاد، بجماليون، سليمان الحكيم، الملك أوديب، الأيدي الناعمة، إيزيس، لعبة الموت، يا طالع الشّجرة).

كما قدم مجموعة مختارة من المقالات في عمله بالصحف المصرية منها: (تحت شمس الفكر، من البرج العاجي، تحت المِصباح الأخضر، بين الفكر والفن، تحدّيات سنة 2000).

توفيق الحكيم يخوض المعارك الأدبية

اشتهر توفيق الحكيم على مدى تاريخه الطويل في دخوله العديد من المعارك الفكرية أمام ذوي الاتجاهات المخالفة له.

فقد خاض معركة في أربعينيات القرن 20 مع الشيخ المراغي -شيخ الأزهر آنذاك-، كذلك دخل معركة فكرية مع مصطفى النحاس زعيم الوفد.

قالوا عنه.. الحكيم في نظر معاصريه من الكبار

اختلف طه حسين مع الحكيم في الأسلوب، إلا أنه أقر بأنجازاته الأدبية، حين قال:

“إن الحكيم يفتح بابًا جديدًا في الأدب العربي هو باب الأدب المسرحي، الذي لم يعرفه العرب من قبل في أي عصر من العصور”.

وقال عنه محمد حسنين هيكل الذي عمل معه في في جريدة أخبار اليوم:

“أنا كنت مبهور بالأديب والفنان، وهو كان مبهور بالصحفي”.

وتعرض الحكيم لنقد لاذع من محمد لطفي جمعة، ناقد من مدرسة دار العلوم، الذي قال في مذكراته:

“إن جمود قريحة الأستاذ توفيق الحكيم أمر لا شك فيه، فإنه لم يبتكر شيئًا بل عاش على إنتاج الأقدمين والجدد”.

وفاة عملاق المسرح العربي

توفي توفيق الحكيم في 26 يوليو 1987 عن عمر ناهز 88 عام.

وفي الختام فلا يخفى على أحد أن الحكيم ترك فيضًا هائلًا من الكتابات الأدبية، التي يستفيد منها كل أديب حتى وقتنا هذا.

اقرأ أيضا:

متحف البريد المصري.. يفتح أبوابه مجانًا للزوار بمناسبة اليوم العالمي للبريد

في يوم البريد العالمي.. تعرف على أشهر 5 روايات بطلها ساعي بريد

في اليوم العالمي للبريد.. تعرف على قصته ولماذا تم اختيار يوم 9 أكتوبر للاحتفال به؟

داء الكلب.. ينتقل عبر لعاب الحيوانات ويؤثر على الجهاز العصبي

شلالات الدم بجبال انتراكتيكا.. حل لغز النزيف الدموي بالقارة القطبية

التعليقات