سكان مدينة يتحولون للزجاج بسبب .. بركان

كتبت : مريم محمد إسماعيل

الحياة غير مضمونة، فالموت قد يداهمك في أي لحظة أينما كنت، ولكن هنا الأمر يكمن في الطريقة، أفكرت يومًا أن تلقى مصرعك إثر ثوران بركاني؟ أو أن يحصل لك الأرعب وتتحول إلى زجاج؟ الأمر يبدو غريبًا من الوهلة الأولى، ولكن هذا ما حصل بالفعل مع ضحايا ثوران فيزوف القاطنين في مدينة بومبي، عندما نفث البركان دخانه ليملأ عنان السماء، وأصبح يثور باهتياج شديد مغطيًا كل ما يقف في طريقه من السكان والبيوت والمدينة بأكملها عام 79 للميلاد العام الأحزن لإيطاليا.

 *اطلانتس التي طمرها الرماد والحمم البركانية*

بومبي هي مدينة رومانية قديمة، اشتهرت برفاهيتها حيث كان سكانها يعيشون في رغد وسعادة، كونت حضارة عرفتها البشرية منذ عشرات الآلاف من السنين، ولم يكن من المتخيل أن تُمحى -تلك المدينة من فوق سطح الأرض- بين عشية وضحاها.

تقع مدينة بومبي على سطح جبل بركان فيزوف الذي يرتفع 1200 متر عن سطح البحر بالقرب من خليج نابولي في ايطاليا، عاش بها حوالي 20000 نسمة، انتشرت بها القصور والمعابد وشبكات المياه داخل البيوت والحمامات العامة، أضف إلى ذلك الشوارع المرصوفة بالحجارة، واهتمامها بالفنون جُسد في المسارح الرومانية القديمة، بالإضافة للنقوش والرسومات واللوحات الفنية، وانتشار الأسواق وامتلاكها أحد أكبر الموانئ البحرية، وعلى الرغم من حضارتها العريقة إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لصناعة الشهرة التي تزخر بها الآن، حيث يعود الفضل في ذلك إلى بركان فيزوف المدمر الذي ردم المدينة كاملةً عام 79 ميلادي لمدة 1600 عام حتى تم اكتشافها عام 1748 في القرن 18، بكامل تفاصيلها ومبانيها وشوارعها وأسواقها، حتى بعض ساكنيها الذين بقوا على تلك الوضعية التي ماتوا عليها كاشفين بذلك على مجون المجتمع وتهتكه.

ألهمت بومبي كتبًا وروايات ولوحات فنية، أشهرها لوحة “يوم بومبي الأخير” للفنان كارل بيرلوف، وأفلام مثل “اليوم الأخير لبومبي”، وبقيت شاهدًا على هشاشة الإنسان أمام الطبيعة.

وجبل فيزوف هو جبل بركاني يقع شرق مدينة نابولي، ويعد الجبل الوحيد الثائر في أوروبا، بالإضافة لبراكين أخرى في الجزر الإيطالية.

 *ثوران فيزوف.. وصف تقريبي لليوم الأخير لبومبي* 

في ال24 من أغسطس عام 79 ميلادي، كان سكان مدينة بومبي في بيوتهم يستعدون لبدء يوم جديد، لم يكن في الحسبان أن يكون هذا اليوم هو أخر أيامهم على سطح الأرض، وأن يصبحوا بعد ذلك تذكار أثري من الزجاج يعرض في المتاحف التي تستقطب السياح من شتى البقاع ليروا هذه التحفة الخالدة.

في الساعة 8 صباحًا كانت الطيور تحلق في السماء بذعر، شاعرة بما يحمله ذلك اليوم من شؤم على سكان بومبي، حينما بدأت هزات أرضية ترتعد البيوت من إثرها العنيف، وهنا بدأ دخان فيزوف يتصاعد عاليًا مكونًا سحبًا بيضاء.

في الساعة 1 ظهرًا بدأ دخان فيزوف الرمادي يلبد السماء مكونًا طبقة رمادية من السحب؛ فلم تعد تستطيع أن تستعلم عن الوقت، وأخذت الهزات الأرضية تزداد بشدة لتُسقط خشب أسقف المنازل بينما سكان بومبي يقولون: “ربما هذا اهتياج بركان، سرعان ما سيخمد قريبًا” غير آبهين بما سيحدث تاليًا.

في الساعة 3 ظهرًا بدأ الرعب الحقيقي، أخذت الأمطار البركانية المحملة بثاني أكسيد الكربون تنهمر على مدينة بومبي، مغلفة بدخان أسود كثيف يحاوط المدينة من كل جانب، وبدأ آثر الأختناق يظهر على سكان بومبي الذين أدركوا أن الأمر احتدم أكثر من اللازم، ولا مفر سوى الهرب ولكن كيف والمدينة بدأت بالتهاوي، وأسطح المنازل ترتطم بالأرض محدثة زلازل مهولة؛ فلم يجد السكان مناص سوى الأختباء في البيوت أو التهافت على الميناء؛ علهم يغادرون قبل أن يتحولوا لأشلاء بشرية، وبدأ الصراخ يعلو في كل مكان وتزداد حدة الأمطار الرعدية أكثر فأكثر.

في الساعة 4 حجبت الشمس سحبًا كثيفة، وتحول النهار إلى ليل معتم قاتم ودوت صرخات السكان المذعورين، حينما بدأ بركان فيزوف في الثوران وأخذ اللهيب يتصاعد، وأمطار من الحمم البركانية تملأ شوارع المدينة، وأمواج البحر العنيفة المتلاطمة المسببة تسونامي، والحمأ المسنون المتهاطل عليهم من كل مكان، والرعد يدوي معلنًا غضبه عليهم، وفي النهاية صهرت الحمم البركانية -في لهيبها- كل أشكال الحياة في المدينة، ودفنها تحت طبقة سميكة من الرماد والصخور.

في الساعة 8 مساء بدت المدينة كخراب لا طائل منه.

في الساعة 1 صباحًا يبدأ البركان في غمر المدينة تمامًا.

في الساعة 6 صباحًا ما زالت السحابة السوداء تحجب المدينة تمامًا وكأنها لم تكن من قبل.

*اكتشاف لم يكن بالحسبان.. عودة سكان بومبي كأثر زجاجي*

تسببت ثورة فيزوف في مقتل الآلاف وتدمير مستوطنات رومانية كان مكانها غير بعيد عما يعرف الآن بنابولي، كما تعرضت مدينة هركولانيوم جنوبي ايطاليا بمن فيها للدفن جراء هذه الثورة البركانية والفاجعة الأليمة، حتى الآن الأمر مرعب للجميع ولكن ازداد غرابة عندما عكف فريق من الباحثين على دراسة بقايا الضحايا في حقبة الستينيات من القرن الماضي، وقالت الدراسة إن شظايا مادة زجاجية سوداء وجدت في جمجمة الضحية، حاول العلماء فهم مايحدث وقاموا بالعديد من الدراسات التي كشفت فيما بعد أن الحرارة المنبعثة جراء ثورة بركان فيزوف كانت هائلة لدرجة تحويل دماغ أحد الضحايا إلى زجاج، الأمر الذي أثار جدل عميق بين العلماء وأدى إلى اعتكاف الكثير من الباحثين للخروج بهذه النظرية التي لم تخطر ببال أحد، وكثرت الأبحاث التي تناولت تلك الظاهرة ولم تكتف بعد، ما زالت الدراسات مستمرة لمحاولة فهم هذه النظرية التي جعلت من سكان مدينة بومبي تذكار أثري من الزجاج الرقيق شاهدًا على تلك الحادثة المشئومة.

تم العثور على بقايا جثتان متحجرتان لرجلين قتلا أثناء فرارهما من بركان فيزوف، وأوضح العلماء أن أحدهم ثري يبلغ من العمر ما بين 30-40 ولا تزال عليه آثار عباءة صوفية تحت رقبته، والأخر يبلغ من العمر ما بين 18-23 وهو عبد له لديه عدد من فقرات الظهر المكسورة؛ مما يشير إلى أنه كان يقوم بأعمال شاقة.

الجثتين المتحجرتين

وصرح ماسيو أوساننا، مدير موقع بومبي الأثري: “عندما وقع الأنفجار ربما كان هذان الضحيتين يبحثان عن ملاذ؛ فجرفهما تيار الحمم البركانية في التاسعة صباحًا، عندما وصلت السحابة المحترقة إلى بومبي ودمرت الجزء الأعلى من المدينة تمامًا وكل من كان يعترض طريقها”.

هناك دراسة أخرى أكدت أن حرارة بركان فيزوف العالية حولت دماغ أحد الضحايا إلى قطعة زجاجية، ويشير فحص الأخشاب المتفحمة بالقرب من جسد الرجل إلى أن الحرارة قد تكون وصلت إلى 520°، ويعود هذا الدماغ الزجاجي لرجل يبلغ من العمر 85 عام، ويُعتقد أنه كان يقوم على رعاية معبد خاص للامبراطور الروماني “اغسطس”، وعُثر على رفاته أثناء عمليات التنقيب في الستينيات، عندما تم اكتشافه ملقى على وجهه على سرير مغطى بالرماد البركاني.

التعليقات