غضب السماء.. مخلوقات فضولية.. مصابيح الشياطين.. وانقطاع الكهرباء عن مدينة كاملة.. تعرف على أسرار «الشفق القطبي»

الزمان: غير محدد

المكان: القطبين الشمالي والجنوبي

كثيرًا ما نرى صورًا تتم مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر مشهد ساحر يحدث في السماء ممثلًا بتمازج ألوان مختلفة للطبيعة الخلابة.

والبعض يظن أن هذه الصور غير حقيقية وتم تعديلها بواسطة برامج الفوتوشوب.

ولكن الحقيقة أن هذه الظاهرة موجودة فعلًا، وتعتبر واحدة من عجائب الطبيعة ذات الجمال الأخاذ، التي يمكن ملاحظتها على جانبي القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية، وتعرف باسم ظاهرة «الشفق القطبي» أو «الأورورا».

 أضواء مبهرة تضيء سماء القطبين

ظاهرة الشفق القطبي أو ما يعرف باسم «الأورورا» هي عبارة عن مزيج من الألوان أو الأضواء الخلابة، التي تخلق تحفة فنية تسحر الأنظار على جانبي القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية.

وتتخذ شكل أقواس أو شرائط، ويطلق عليها العلماء «الفجر القطبي» أو «الأضواء القطبية».

أخت القمر وكائن الاسكيمو ومصابيح الشياطين.. الشفق القطبي ما بين الأساطير والخرافات

كان السكان القدماء القاطنين بالقرب من القطبين الشمالي والجنوبي، يرون أضواء غريبة تظهر في السماء بألوان مختلفة وسرعان ما تختفي.

وبسبب عدم فهمهم لتلك الظاهرة؛ انتشرت بعض التفسيرات الغريبة كمحاولة لحل هذه الأحجية، واختلفت من شعب لآخر، ولكن جميعها كان منصب في نطاق السحر والأساطير.

فالنسبة للشعب الروماني كانوا يعتقدون أن تلك الأضواء هي صورة للألهة أورورا «أخت القمر» -أحد آلهة الرومان القديمة-.

فكانت الأسطورة تقول أن الألهة أورورا تظهر في السماء؛ لتعلن قدوم الأله «أبوللو» أله الموسيقى والنور والفطنة عند الرومان.

وفي الأسكيمو كان الاعتقاد السائد بالنسبة للأضواء الملونة أنها عبارة عن كائن حي، وصفوه بكونه فضولي يظهر عندما يسمع أصوات خافتة لهمس بين الناس، فيحاول أن يتصنت عليهم ويسمع ما يقولونه.

ويرى السكان الأصليون في القطب الشمالي أن هذه الأضواء هي أرواح الأطفال الذين ماتوا خلال الولادة.

أما في دول أوروبا في العصور الوسطى كانوا يطلقون على الشفق القطبي «رقصة الأرواح» ويعتبرونها علامة من السماء.

بينما في أستراليا يربطون الظاهرة ب «النار».

ففي شرق أستراليا يُطلق على الشفق «الرماد»، بينما في غربها فيرونه مرتبط بـ «حرائق الغابات».

وفي جنود البلاد ينظر للشفق على أنه «روح الشر» التي تخلق حريق كبير.

ويظن سكان آلاسكا أنها أرواح الحيوانات التي تم اصطيادها.

في حين أعتقد السكان الأصليون لأمريكا الشمالية أنها مصابيح الشياطين تبحث عن الأرواح الضائعة.

وفي أيسلندا وجرينلاند كانت البوابة التي ينتقل منها الألهة من الجنة إلى الأرض.

وتعتبر نذير شؤم للدول الإسكندنافية فتعلن بظهورها عن بدء شن حرب.

وفي الأخير يخاف منها سكان النرويج، ويعتقدون أنها قد تسحب من ينظر إليها فيبتعدون التحديق بها.

نظرة العلم بالنسبة لظاهرة الشفق القطبي 

تعتبر الشمس هي المحطة الأولية التي تنطلق منها ظاهرة الشفق القطبي، فيبدأ الأمر من الهالة الخارجية المحيطة بالشمس -ويطلق عليها اسم «الكرونا»-.

والتي تسبب حدوث اهتزازات في ذرات الهيدروجين والهيليوم -المكونين الرئيسيين للشمس-؛ لينطلق منهم عدد كبير من الالكترونات والبروتونات -والتي يطلق عليها اسم «الرياح الشمسية»-.

فتسبح بسرعة مهولة في الفضاء في اتجاهات عشوائية لتصطدم بالكواكب التي تقابلها.

فيتجه بعضها إلى كوكب الارض، إلا أن الأرض تكون مغلفة بمجال مغناطيسي قوي؛ فيقف حائلًا أمام تلك الالكترونات والبروتونات ليمنعها من المرور.

تضطر أن تنعطف حوله وتنحرف عن مسارها الأصلي، لكن بعضها يكون قوي جدًا فيستطيع التغلب على المجال المغناطيسي، ويخلف ما يسمى بـ «العاصفة المغناطيسية العكسية».

يؤدي ذلك إلى انبعاث بعض الجسيمات التي تنحرف وتنطلق داخل الكوكب.

ويعتبر المكان الوحيد الذي تستطيع أن تعبر منه إلى الكوكب هو القطبين الشمالي والجنوبي؛ ويرجع السبب في ذلك كون القطبين هما نقاط التقاء المجالات المغناطيسية لنصف الكرة الأرضية.

وبالتالي كثافة المجالات المغناطيسية بهما تكون أقل؛ وهذا يفسر ظهور الشفق القطبي في القطبين فقط.

ولا يعتبر دخول الالكترونات والبروتونات من القطبين السبب المباشر لحدوث الظاهرة.

ولكن السبب يكمن في اصطدامهم بذرات الاكسجين والهيدروجين والنيتروجين -الموجودة في الطبقات العليا للغلاف الجوي-.

حيث يعمل ذلك الاصطدام على تحفيز الالكترونات والبروتونات، ويجعلها تطلق فيض هائل من «الفوتونات» وهي عبارة عن حزم صغيرة من الطاقة تظهر على شكل ضوئي في سماء القطبين، وتعرف بـ «أضواء الشفق القطبي».

أضواء ملونة تخلق ظاهرة فريدة

تختلف ألوان ظاهرة الشفق القطبي بناء على الطول الموجي الخاص بالفوتون.

ويكتسب الفوتون ذلك الطول من ذرة الأكسجين أو النيتروجين التي ينطلق منها.

فتكون ذرة الأكسجين مسئولة عن ظهور اللون الأحمر والأصفر والأخضر.

بينما ذرة النيتروجين مسئولة عن ظهور اللون الأزرق والبنفسجي.

بالنسبة للون الأحمر الذي ينتج عن الأكسجين يظهر بشكل خفيف ولا يسبب أي حساسية للعين.

أما اللون الأخضر والذي يُنتج الأخضر المصفر يسبب حساسية للعيون، ويعتبر أكثر الألوان بروزًا وانتشارًا.

أفضل وقت لمتابعة أشرطة الشفق القطبي 

تحدث ظاهرة الشفق القطبي بعد غروب الشمس عن الأقطاب الأرضية بمدة 30 دقيقة.

وأحيانًا قبل شروق الشمس بمدة قليلة، وتعتبر ليالي الشتاء الباردة أفضل فرصة لمشاهدة الظاهرة.

لا سيما عندما تكون السماء صافية ومظلمة مع ضوء قمر خافت.

يتخذ الشفق القطبي شكلين، الشكل الأول يظهر على هيئة مجموعة من الأقواس والشرائط المتوازية الطويلة والممتدة في السماء لآلاف الكيلومترات، ويمتلك هذا النوع قدرة كبيرة على الإضاءة والإشراق.

بينما الشكل الثاني وهو الشفق الفيمي، عبارة عن أضواء ملونة تكسو السماء بشكل كامل على هيئة سحب وغيوم ملونة.

الرصد الأول لظاهرة الشفق القطبي

يعود أول رصد للظاهرة قبل 30 ألف عام حيث دونها الإنسان على جدران الكهوف في فرنسا.

وفي عام 1619 أطلق العالم جاليليو على هذه الظاهرة اسم «أورورا».

وتم تسجيل أكبر حدوث للظاهرة في 2 سبتمبر 1859، ومنذ ذلك الوقت والولايات المتحدة الأمريكية تحرص على مراقبة نشاط العواصف الشمسية.

مراكز الدراسات لمعرفة موعد الظاهرة

تعتبر ظاهرة الشفق القطبي من أصعب الظواهر في الرصد، بل وتفوق التنبؤ بالطقس.

لذلك تم إنشاء «مركز الدراسات الصينية» في شمال أوروبا، والذي يعتبر أول محطة بحث علمي حول ظاهرة الشفق القطبي.

وهو يعمل على رصد أنماط الأضواء التي تظهر في القطب الشمالي؛ ساعيًا لفهم طبيعة الظاهرة.

كذلك انشئ «المعهد الفنلندي للأرصاد الجوية» التابع لمركز البحوث القطبية، والذي ابتكر الباحثين به طريقة للتنبؤ بمواعيد ظهور الشفق القطبي.

عن طريق تطوير نظام مناخي خاص يعتمد على التنبيهات التي تصدر من الحقول المغناطيسية، والكاميرات الخاصة بالأقمار الصناعية وكذلك رصد النشاط الشمسي، واتجاه الانفجارات الشمسية.

وذلك من أجل الوصول لتوقع دقيق عن موعد الظاهرة.

لكن أقصى ما توصل إليه المركز، هو التنبؤ بظاهرة الشفق قبل ساعة واحدة من حدوثها.

ملك الكواكب.. شفق قطبي في كل كوكب وكل نظام شمسي

على الرغم من كون ظاهرة الشفق القطبي من الظواهر الخلابة التى تميز كوكب الارض، إلا أنها ليست ظاهرة ينفرد بها كوكب الارض فحسب.

فهي تظهر على عدد من الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية؛ لأن الجسيمات المشحونة التي تنبعث من الشمس تنتشر في كل أرجاء النظام الشمسي.

وتصل لعدد كبير من كواكب المجموعة ابتداءً من عطارد حتى نيبتون.

والكوكب الذي تتوافر به ظروف معينة مثل وجود مجال مغناطيسي أو بعض الغازات المنتشره بالجو الداخلي له، يكون مؤهل لظهور ظاهرة الشفق القطبي على سطحه.

ويعتبر المشتري أحد الكواكب التي تحتوي على غلاف مغناطيسي قوي.

وتظهر ظاهرة الشفق القطبي على قطبيه الشمالي والجنوبي، والتي يكون سطوعها أقوى وأشد مقارنة بكوكب الأرض بحوالي 8 أضعاف.

ليس هذا فحسب بل تقدر كمية الضوء المنبعث على سطحه خلال الظاهرة بمجموع الأضواء المنبعثة من الشفق القطبي الحادث في المجموعة الشمسية بأكملها؛ لذلك أطلق عليه العلماء لقب «ملك الكواكب».

كما يحتوي كوكب زحل على حقل مغناطيسي قوي؛ يؤدي إلى إنتاج ظاهرة الشفق القطبي بتركيز عالي.

بينما يعتبر كوكب المريخ هو الكوكب الوحيد الذي تجد الشفق القطبي منتشر في جميع ارجاؤه.

ليس فقط القطبين الشمالي والجنوبي؛ ذلك لأن الكوكب غير محمي بحقل مغناطيسي يقوى على توجيه الجسيمات المشحونة بطريقة معينة داخل الكوكب.

ولا تقتصر ظاهرة الشفق القطبي على المجموعة الشمسية فقط، بل توجد على كواكب أخرى خارج النظام الشمسي.

فقد اكتشف العلماء مجموعة من التوهجات الشبيهة بالتوجهات الشمسية في عدد من الأنظمة النجمية الأخرى التي تمتلك شمسًا.

مما جعلهم يعتقدون أن هذه الكواكب تملك شفق قطبي، لكنه يختلف في طبيعته عن الشفق الذي نعرفه؛ بسبب اختلاف أنواع الغازات الموجودة على سطح كل كوكب.

الأماكن التي من الممكن أن تشاهد بها الشفق القطبي

من الممكن أن نشاهد الظاهرة بعدد كبير من الأماكن الشمالية على الكوكب، على سبيل المثال يظهر الشفق في سماء روسيا؛ نظرًا لقربها من القطب الشمالي.

كما أنها تحتوي على أكثر من موقع لرصد الظاهرة؛ بسبب مساحتها الشاسعة.

كذلك ولاية ألاسكا تعتبر من أفضل المناطق لمشاهدة الظاهرة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا ننسى فنلندا وكندا والنرويج والسويد، وجزيرة أيسلندا حيث يظهر الشفق القطبي في سماء الجزيرة على مدار 8 أشهر خلال العام.

وتعتبر الموقع الافضل في أوروبا الذي يرصد الظاهرة بوضوح تام؛ لذلك تعد منطقة جذب للسياح المهتمين بالظاهرة.

الجمال الخادع.. كوارث الشفق القطبي 

على الرغم من كون ظاهرة الشفق القطبي من أجمل الظواهر التي تحدث على كوكب الارض، والتي تستقطب الكثيرين من أنحاء العالم لرؤيتها، إلا أن العواصف الشمسية كما تصنع ظواهر جميلة تتسبب في حدوث كوارث أخرى.

ففي عام 1989 تسببت أحد العواصف الشمسية في القطب الشمالي بانقطاع الكهرباء عن مقاطعه «كيوبك» الكندية لمدة 9 ساعات.

وذكرت أحد الاحصاءات أن التيار الكهربائي انقطع عن حوالي 6 مليون إنسان.

واستمر تأثير العاصفة الشمسية إلى ولاية «تكساس» الأمريكية؛ بسبب الجزيئات المشحونة والمغناطيسية التي تطلقها الشمس تجاه الارض.

ويؤدي ذلك لحدوث تداخل في نظم الاتصالات، وتسبب حمولة زائدة على شبكات الكهرباء.

على الرغم من كون جزيرة أيسلندا مكان جذب سياحي رائع للمهتمين بالظاهرة.

إلا أنها يكثر بها حوادث الطرق؛ بسبب تأمل السياح من فوق الجبال، أو النظر للسماء أثناء قيادة السيارات؛ نتيجة الهوس الشديد لرصد الظاهرة.

التعليقات