إيمان خالد
ما أكثر المناسبات الدينية لنأخذ منها العبرة ولكنا أحببنا أن نلتقط العبرة من الهجرة النبوية لنأخذها دستورا قويماً في حياتنا، ولنعلم في البداية إنما جاءت هذه الهجرة إلي المدينة لتؤسس قيم المواطنة والأخوة داخل الدولة الواحدة.
وبالطبع هي أعظم رحلة وأهم حدث شهده العالم الإسلامي عبر التاريخ، فلو قولنا أن في كل خطوة خطاها الرسول من مكة إلى المدينة دروس وعظات فسنلخصها في الآتي :-
1-الصبر على الدنيا ومافيها:
قال الشيخ السيد عرفة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، إن من أعظم الدروس التي تعلمناها من خلال هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بقى في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوا الناس ليلاً ونهاراً وفي النهاية لم يؤمن معه سوى مائة صحابي، ومع ذلك لم يكن لييأس بل كان يأمر بالمعروف بمعروفٍ، وينهى عن المنكر بمعروفٍ أيضاً وهذا بالفعل ما نحتاج أن نتعلمه من الهجرة.
وأضاف «عرفة» خلال لقاءه في برنامج «حياة أحلى» المذاع على فضائية «الحياة»، أننا لابد أن نعلم أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم لما أوذي في مكة إنما أوذي من أهله فكان الأمر شاقاً عليه وعلى قلبه حتى عندما قال: «إني رسول الله إليكم».. شتمه عمه فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً لكنه صبر وكافح، ومن هنا كان لابد أن نتعلم منه الصبر فهو لم يضرب أحداً ولم يؤذي أحداً وإنما كان رحمة مهداة للجميع .
2- حب الوطن من الإيمان:
وأوضح الشيخ يسري عزام، أحد علماء الأزهرالشريف، أننا من خلال الهجرة النبوية تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم درس عظيم في حب الوطن وأن الإيمان من حب الأوطان، فقد بكى النبي صلي الله عليه وسلم لفراق مكة فعلى الرغم من شدة الإيذاء التي تعرض لها من مشركي مكة إلا أنه بكى لفراقها ولكن من شدة أدبه مع الله كان يقول : “اللهم إنك تعلم أن مكة هي أحب البلاد إلي ولولا أني أُخرجت منها ما خرجت، اللهم أسكني أحب البلاد إليك”.
وأضاف «عزام» خلال لقاءه في برنامج «الحياة أخلاق» المذاع علي فضائية «المحور» أن علماء السيرة قالوا في ذلك: إذا كانت مكة أحب البلاد إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم فقد طلب من الله أن يختار له البقعة التي يريد هو فاختار الله له المدينة فهي أحب البلاد إلى ربِّ النبي صلى الله عليه وسلم ومن هنا كان لابد أن نتعلم حبُّ الوطن ونعلم أنه من الإيمان .
3- التضحية والفداء:
وأشار إلى أنه التضحية والفداء تعد درسًا من الدروس المستفادة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد تجسدت في دور علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما بات في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليفديه، ويرد الأمانات إلى أهلها، وكان عمره حوالي 20 عاماً وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يفخر بذلك فخراً شديداً.
وتابع: «وذلك إلى جانب تضحية أخرى من سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه علم أن النبي صلي الله عليه وسلم سيهاجر فذهب إليه وقال الصحبة يا رسول الله، وحجز راحلتين، وجاء الموعد فأراد أبو بكر أن يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أمامه ومرة خلفه ومرة على يمينه وأخرى على يساره فقال صلى الله عليه وسلم ما بك يا أبا بكر؟! فقال: اذكر الرفض والطلب فإن مت فأنا واحد وإنما إن مت أنت يا رسول الله فمصاب الأمة فيك عظيم».
واستطرد: «”واستمرا في السير حتى وصلا إلى غار ثور فقال أبو بكر : انتظر يا رسول الله أنا أسبقك إلى الغار حتى أؤمن لك الطريق فيدخل سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ويؤمِّن الغار ويرى الثغور والجحور ويقطِّع من ثيابه ويضع في الجحور والثغور، وتبقى موضعين فوضع قدمه عليهم وقال: ادخل يا رسول الله، ومن شدة التعب ينام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدم أبي بكر الصديق رضي الله عنه فسيدنا أبي بكر لدغته حية وهو لا يريد أن يتحرك كي لا يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولكن من شدة تألمه سقطت دموعه على وجهه صلى الله عليه وسلم فاستيقظ فوجد أبو بكر يتألم ولا يريد أن يُحدث صوتاً لأجله صلى الله عليه وسلم فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بك يا أبا بكر فرد عليه قائلاً لُدِغتُ فداك أبي وأمي” فما أعظمه من رفيق وصديق، فضرب لنا أبو بكر أروع الأمثلة في التضحيه والحب فداء النبي صلى الله عليه وسلم .»
4-الإعداد والتخطيط الجيد:
وبيَّن “عزام” أن من أهم الدروس المستفادة من الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعد خطة نبوية محكمة للهجرة فمن هنا يعلمنا أن كل شيء في الحياة لابد له من إعداد وتخطيط.
واستدل على ذلك بفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما اختار الرفيق قبل الطريق فكان أبوبكر، واختارمن ينام في فراشه للتمويه ورد الأمانات لأهلها فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واختار دليلاً للطريق فكان عبد الله بن أريقط واختار واحداً يمحوا آثارهم فكان عامر بن فهيرة، واختار من يأتي بالأخبار فكان عبد الله بن أبى بكر، وحدد المكان فكان غار ثور .
5-الأخذ بالأسباب في كل أمور حياتنا:
وأكد «عزام» أنه لا يمكننا أن نغفل عن أهم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية وهي الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على رب العالمين الذي يسبب الأسباب فالله تعالى يقول: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ».. مستدلًا بفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان في غار ثور ووصل المشركون إليهم وتمكن الخوف من أبي بكر فما كان لرسول الله إلا أن يشد بأذر صاحبه ويقول له: « “ما ظنك باثنين الله ثالثهما”، وقال “لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا” ».
ومن خلال تأمل الهجرة النبوية نرى أنها قد زرعت فينا أملا حتى إذا ما شعرنا بالضيق والحزن تذكرنا أن الله موجود في كل لحظة، وأن الأمر لم ينته بعد وما بعد الضيق إلا الفرج .

التعليقات