الفرق بين التسامح الحقيقي والمزيف

 

آية طنطاوي

يعتقد البعض من الناس أن التسامح ضعف وأن الشخص المتسامح هو شخص ضعيف ليس بيديه حيلة، لكن على العكس فإن التسامح قوة، ولابد من التفريق بينه وبين السذاجة.

قال الدكتور أحمد عمارة، استشاري الصحة النفسية، إن هناك فرق بين التسامح والسذاجة.

فالسذاجة: هي سمة من سمات الشخصية، والشخص الساذج: هو الشخص الذي لا يمتلك ذكاء أو حنكة في التعامل مع الأمور.

والتسامح: هو سلوك يفعله الإنسان عندما تكون شخصيته قوية أو عندما يكون لديه قيمة ذاتية عليا، وبالتالي يكون واعيا أنه ليس لديه ضغينة أو ألم تجاه أشخاص معينين، فيستطيع التعامل بالتسامح.

صور التسامح السلبي المزيف

وأوضح «عمارة»، خلال حوار تليفزيوني له على فضائية «cbc»، أن الإنسان الساذج: هو من يستخدم التسامح كحجة لعدم قدرته على التصرف، وبالتالي يكون تسامحا مزيفا وليس حقيقيا نابع من داخله ومن صور التسامح السلبي المزيف:
1- الإنسان الذي لا يعرف حقوقه ولا يعرف كيف يأخذ حقه، ولا يحب المواجهة والتحديات والمخاطرة، فإنه دائما ما يكون منطوي، لا يحب المشاكل، فهذا ما يلجأ لعمل التسامح السلبي المزيف.

2- بعض الأفلام تتعامل مع الإنسان الظالم على أنه القوي الشديد الشرير، والطيب على أنه الضعيف الساذج والذي لا يملك حيلة فيلجأ للتسامح السلبي.

3- بعض الناس تعزز ثقافة التضحية من أجل الآخرين -شمعة تحترق من أجل الآخرين- وبالتالي تتعامل بالتسامح السلبي.

وأشار «عمارة»، أن التسامح الحقيقي هو معرفة أخذ الحق بطرق سلمية راقية، وعندما يحدث موقف سلبي مع شخص ما فلا يكن الهدف أذيته ولكن رفض الفعل السيء للشخص، وأخذ الحق دون الإنتقام منه، فبعض الناس يعتقدون أنه عندما يقال لهم كلام سيء ويردون بأسوء منه، هكذا يأخذون حقهم، ولكن الحقيقة أن هذه هي الشخصية الضعيفة، فالإنسان الذي يشعر بالقيمة الذاتية ويعلم أن قيمته مستمدة من ربه وليس من البشر فكلما تسامح يشعر بالرفعة والرقي أكثر.

والبعض الآخر يقولون “أنا هتسامح لتكون طاقتي إيجابية” ولكنها مقولة خاطئة؛ لأن الإنسان لا يقدر على التسامح إلا إذا كانت طاقته إيجابية أولا ليقدر على التسامح بصورة دقيقة.

وأكد «عمارة»، أنه من الخطأ إهانة بعض الآباء لبناتهم؛ لتعليمهم كيف تكون أنثى حقيقة في بيت زوجها، فبذلك يضربوا عندها قيمتها الذاتية.

فالأنثى التي لا تعرف حقها ولا تشعر بقيمتها الذاتية، فلن يراها الطرف الآخر ذات قيمة عالية، فالإحترام والرقي ليس له علاقة بالسكوت عند الإهانة والضرب وغيره، فشرط الإنسان المتسامح، أن تكون قيمته الذاتية عالية وأن يستمدها من ربه -سبحانه وتعالى-.

وأشار أن المتسامح يسمى في القرآن العفو وقال تعالى “وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” وقال تعالى عن المتقى شيئان مهمان “يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا” “وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”، وهناك فرق بين مصطلح العفو والصفح، فالعفو معناه: عدم إيقاع العقوبة على الآخر، أي لا ترضى للشخص بأن يهان أو ينال عقابه فتتنازل عن ذلك، لكنك لا تريد التعامل معه مره ثانية.

أما الصفح: كأنك تقابله لأول مرة، وهذا درجة أعلى بكثير؛ لذلك قال تعالى “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللّٰهُ لَكُمْ” فبين -سبحانه وتعالى- أن من يستطيع العفو والصفح وبدء صفحة جديدة، فهذا درجته أعلى بكثير، وبالتالي إذا فعل ذلك فإنه ينال العفو من الله، فلابد أولا أخذ التسامح على أنه العفو فلا يكون بداخلك ضغينة أو ألم تجاه شخص ما وليذهب كل إلى حاله.

وأكد أنه من الخطوات المهمة في التسامح أن تدرك، أن هناك فرق في الوعي بين شخص وآخر، فهناك شخص واعي وقيمته العليا عالية ويعرف كيف يصل إلى ما يريد بطرق إيجابية.

وشخص آخر تربي على مشاهد الإنتقام وأخذ الحق بطرق غير قانونية، فبالتالي عند التعرض لموقف معه، تدرك أن هناك فرق في الوعي بينك وبينه، فتستطيع التسامح بسهولة.

والعفو ليس له علاقة بأن تستمر مع هذا الشخص أو لا، وإنما يتعلق بحالتك النفسية، فإذا كنت في حالة عفو، فإنك تسمح لهذه الطاقات السيئة أو الألم بالخروج، وعدم احتباسه بداخلك فيضرك، أي أن المتسامح يفيد نفسه قبل الآخرين.

وأضاف «عمارة»، أنه من الخطأ ربط التسامح بشخصية الشخص مهما كان الضرر؛ لأن الشخص إنسان كرمه ربه في قوله “وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ”، فلا تجرؤ على التعدي على تكريم الله، كما أن الشخص والحدث هو بتقدير الله وبالتالي هي رسالة من الله لك عن طريقه ليكشف لك خطأ صنعته فتشكره علي فهم الدرس ولا تسمح لمخلوق آخر بأن يكرر هذا الموقف معك، فالتسامح أن تأخذ الدرس وتتعلم وبمنتهى القوة لا يستطيع أحد آخر أن يصنع بك هذا مجددا وتكون بداخلك هادئا مرتاح البال، لكن السذاجة عندما تشعر بأنك مقهور أو ضعيف وليس بيديك حيلة ولا تعرف كيف تتصرف وليس أمامك إلا أن تسكت فتتسامح، ولكن لا تعرف كيف تأخذ حقك وبداخلك لست مرتاحا، فالإنسان كلما فعل التسامح المزيف كلما ساءت الأمور فإذا تسامحت ولم يرزقك الله، ولم تجد المخرج من الموقف، فهذا يعتبر تسامح مزيف؛ لأن التسامح الحقيقي يعطي حالة من الهدوء النفسي ولو تكرر الموقف أكثر من مرة، وإذا كان الشخص الذي تسامحه سلبياته أكثر من إيجابياته، فمن الغباء أن تستمر في مسامحته، ولكن إذا كان العكس فمن الذكاء التسامح لمجاراة الأمور، فلا يجب أن تحكم على الشخص ولكن على الفعل وأن تأخذ القرار هل تقبله في حياتك أم لا.

التعليقات