لماذا نسبح الله تعالى بعدد معين؟
كتبت نوران بكري
الإنسان بحاجة دائمة إلى السكينة، وهذه السكينة لن نجدها إلا في التجربة الروحيّة وفي العلاقة مع الله وذكر الله.
لأنّ هذه الروح هي نفخة من الله فلن تستقر إلا بموطنها، فإنّ كل شيء يميل إلى جنسه وإلى أصله.
فالروح أصلها هو الخالق {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} [ص-72].
فلا تستقر إلا بالعودة إلى موطنها، وهي لا محالة عائدة إلى الله تعالى.
أقوال العلماء في معنى السكينة
قال ابن القيم: (هي الطُّمَأنينةُ والوَقارُ والسُّكونُ، الذي يُنزِلُه اللهُ في قلبِ عبدِه عندَ اضطرابِه من شِدَّةِ المخاوفِ، فلا ينزَعِجُ بعد ذلك لِما يَرِدُ عليه، ويوجِبُ له زيادةَ الإيمانِ، وقوَّةَ اليقينِ، والثَّباتَ).
وقال الجرجاني: (السَّكينةُ: ما يجِدُه القلبُ من الطُّمأنينةِ عندَ تنَزُّلِ الغيبِ، وهي نورٌ في القلبِ يسكُنُ إلى شاهِدِه ويَطمَئِنُّ) .
كما قال أبو هلال العسكري: (السَّكينةُ مفارَقةُ الاضطرابِ عندَ الغضَبِ والخوفِ).
وقال عبد الرحمن السعدي: السَّكينةُ ما يجعَلُه اللهُ في القلوبِ وقتَ القلاقِلِ والزَّلازِلِ والمُفظِعاتِ.
ممَّا يُثَبِّتُها ويُسَكِّنُها ويجعَلُها مُطمَئِنَّةً، وهي مِن نِعَمِ اللهِ العظيمةِ على العبادِ) .
فضل ذكر الله تعالى
وردت الكثيرُ من الإشارات في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة في فضل الذكر؛ ففي القرآن الكريم نجد قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]
وفي الحديث الشريف يمكن أن نشير إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَن سَبَّحَ اللهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وحَمِدَ اللهَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وكَبرَ اللهَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، وقالَ: تَمامَ المائَةِ: لا إلَهَ إلا الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ وهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البحر).
وأيضا في صحيح البخاري عن أبي موسى، عن النبي قال: { مثل الذي يذكر ربه، والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت }.
كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: { يقول الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم،
وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة }.
وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41].
وقال تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35]، أي: كثيراً. ففيه الأ مر با لذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين.
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: (لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل).
ولا ريب أن الذكر فوقَ ذلك كله هو حصنٌ منيع للمؤمن من كيد الشيطان، العدوِّ اللدود لأهل الإيمان.
فقد أخبرنا الله تعالى عز وجل عن عمل الشيطان مع الغافلين عن ذكر الله بقوله:
﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المجادلة: 19].
الحكمة من تحديد الذكر بعدد معين أو إطلاقه
أجاب الدكتور محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، موضحا أن التسبيح من أنواع الذكر التي أمر الله سبحانه وتعالى بها فقال:
“يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا”، وعين التسبيح فقال: “وسبح بحمد ربك”.
وقال: “فسبحان الله حين تصبحون وحين تمسون”، ويوضح وسام معنى التسبيح بأنه تنزيه الله سبحانه وتعالى.
فهو المنزه عن كل نقص والمتعال عن كل عيب فهو خالق الكمال ومصدر النور، ولذلك فالتسبيح تعلق بذي الجلال والإكرام.
كما أكد وسام أن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، والله سبحانه وتعالى جعل لهذه الأرقام سرًا في الكون.
فإن قالها العبد فهو يصل بذلك إلى المراد ويكفيه أن يطيع النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يعقل معناه.
فإن فتح عليه فيه فالحمد لله وإن لم يفتح فكفاه فتحًا أنه يتأسى بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.
وأنه يطيعه ويأخذ بكلامه ويسبح كما علمه.
كما أضاف وسام، أن التسبيح ما بين أن يكون مطلقًا لا عدد فيه.
وأن يكون مقيدًا فالسنة التقيد بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر وسام قول بعض الصالحين بأن الأعداد التي يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخص الذكر، هي أشبه بالمفتاح.
لكن الذكر على كل حال حسن، وإنما التقيد بالعدد الذي يخبر به النبي من السنة ويفتح له من أسرار الكون ما لا يعرفه وما يجعله على نور المصطفى.
أثر ذكر الله على القلب
ليس للقلوب طمأنينة ولا سكينة ولا راحة ولا قرار إلا بكثرة ذكر الله في كل وقت وحين.
فالقلوب إنما خلقت لذكر الله فلا تحيا إلا به، ولا تثبت على الإيمان إلا به، فهو الفرقان بين أهل النفاق وأهل الإيمان.
قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)[النِّسَاءِ: 142].
كما قال عليه الصلاة والسلام: “تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يَجلِسُ يَرقُبُ الشمسَ حتَّى إذا كانت بين قرنَيِ الشيطانِ قام فنقَر أربعًا لا يَذكُرُ اللهَ فيها إلا قليلًا”.
من أعظم ما تطيب به القلوب كما قال الله تعالى: ” ألا بِذِكْرِ اللّهِ تطْمئِنّ الْقلوب” [الرعد:28].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “سبق المُفَرِّدون. قالوا: من المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذكرون الله كثيرًا والذكرات”.
تأثير الذكر على القلوب أعظم بكثير من تأثير الأبدان؛ فالقلب الذي يتغذى بذكر الله تعالى ويقتات بالأنس به جل وعلا ذكرًا بالقلب وذكرًا باللسان وذكرًا بالجوارح يطيب ويقوى ليصبح من أقوى القلوب ثباتًا عند الفتن وعند البلايا والرزايا، ولهذا ينبغي للمؤمن أن يعتني بالذكر وأن يكون للذكر تأثيرٌ على القلب.
لماذا نسبح الله تعالى بعدد معين؟

التعليقات