المسح على الأكمام
كتبت: انتصار عبد الرؤوف
مع دخول فصل الشتاء وشدة البرد، يتعذر على بعض الأشخاص أداء العبادات على الوجه الأكمل والأتم.
خاصة ما يتعلق منها بالطهارة، فيتساءل الكثير منهم عما إذا كان هناك بديل أو تخفيف.
كمَنْ تعذر عليه استعمال الماء في البرد الشديد للوضوء.
لأجل ذلك كان لا بد من بيان أحكام تتعلق بكيفية أداء العبادات في البرد الشديد في فصل الشتاء.
وسنتحدث في هذا التقرير عن هذا الحكم ورأي دار الإفتاء المصرية فيه.
هل يصح المسح على الأكمام في الوضوء بدلاً مِن غَسْل اليدين؟
أكد الدكتور شوقي إبراهيم علّام، مفتي الديار المصرية السابق، أن من المقرَّر شرعًا أنَّ الوضوء شرط لصحة الصلاة.
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6].
ولحديث الصحيح، عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لاَ تقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ«.
كما نبه “علّام” على أن الفقهاء أجمعوا على أنَّ الواجب في الوضوء: استيعابُ الوجه واليدين والرجلين بالغَسْل، مع مسح الرأس.
وذلك عَمَلًا بالآية السابقة، وللأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ.
ومنها ما روي عن عطاء بن يزيد، عن حمران قال: رأيت عثمان –رضي الله عنه- توضَّأ فأفرغ على يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ وآله وسلم توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه.
حكم المسح على الأكمام في الوضوء
أكد “علّام” على أنه إذا كان غَسْل اليدين إلى المِرفقَينِ من فرائض الوضوء.
فإنَّه لا يجزئ المسح على ظاهر الثياب بدلًا منه.
وأشار المفتي السابق إلى أن الواجب في اليدين هو استيعابهما بالغَسْل، ولا يجزئ فيهما مجرد المسح.
وذلك للآية والحديث السابقين، ولأنَّه لم يؤْثَر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخصة في مسحهما، مع وجود الحاجة الشديدة إليه، كشدة البرد ونحوه، فرخَّص في المَسح على الخفِّ دون غيره.
وذلك لحديث المُغيرة بن شُعبة – رضي الله عنه- قال: تخلَّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتخلَّفت معه، فلما قضى حاجته قال: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟».
فأتيتُهُ بِمَطهرةٍ، فغسل كفَّيْه ووجهه، ثم ذهب يَحْسِرُ عن ذراعيه فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرج يده من تحت الُجبَّةِ، وألقى الجُبَّة على مَنكِبَيْهِ، وغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه.
وبين علام أنَّ المسح إِنما ورد فيما يلبس على الرأس والرجلين فقط.
فلو كان المسح جائزًا على غيرهما لمسح النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذا الحال على كمَّيهِ، خاصة مع ضيق الجبة الذي تعذَّر معه حسر الثوب عن يديه الشريفتين، فجعله يلقي الجبة عن منكبيه.
بالإضافة إلى أنَّه لا يصحّ قياس المسح على الأكمام -بدلًا من غَسْل اليدين- على المسح على الخفين.
وذلك لأنَّ المسح على الخفين رخصة، والرخصة استثناء لا يقاس عليه؛ لأنَّه –أي: الاستثناء- خلاف الأصل.
إذ الرُّخَص مخالفة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، وهو أمر لا يجوز.
وعليه إن تعذَّر استعمال الماء في غَسْل اليدين، سواء كان لشدة برد يخْشَى معه تلف العضو أو تضرره.
ولم يجد ما يسخن به الماء، أو لمرضٍ، أو بطء برْءٍ، أو غير ذلك من الأعذار؛ تيمَّم بَدَلًا عن الوضوء.
فإن كان يقدر على استعماله في بعض الأعضاء دون بعض، فيَغسِل ما لا يتضرَّر بغسله ويتيمَّم لما سواه مراعيًا الترتيب والموالاة؛ عملًا بالقاعدة الفقهية “الميسور لا يسقط بالمعسور”.

التعليقات