أهداف الفتوحات الإسلامية
سليمان أبوبكر أولنريوجو فولارنمي

بقلم/ سليمان أبوبكر أولنريوجو فولارنمي

ماجستير في الفقه وأصوله الجامعة الإسلامية بمنيسوتا بأمريكا

الحمد لله رب العالمين وحده لا شريك له، أحمده حمد الشاكرين، وأشكره شكر الحامدين، لا أحصي عليه ثناءاً، هو كما أثنى على نفسه، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن الأهداف من الفتوحات الإسلامية من فجرها إلى سقوط الدولة الإسلامية نتيجة حروب التتار بقيادة (هولاكو) سنة (656هـ/1258م)، كلها عملية دفاعية ابتداءا، خلافا لفرية المستشرقين بأن فتوحات المسلمين قامت لغرض السلب والنهب، والاعتداء على حقوق الآخرين، وغير ذلك من الأقاويل التي لا أصل لها.

وفي هذه الورقة يتم عرض الأهداف الرئيسة، التي تشهد لها التواريخ، مع ذكر نص من الآيات القرانية، و الأحاديث النبوية الشريفة، وذلك بضرب من الإيجاز الشديد الواضح المعبر.

ثم أسال الله تعالى أن يفيد بهذا العمل، وأن يجعله لوالديّ صدقة جارية يبلغهما أجرها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الهدف الأول، نشر الإسلام:
بدأ المسلمون منذ العهد النبوي بالدعوة إلى الله – سبحانه – من مكة إلى أن امتد صوت الإسلام إلى يثرب ( المدينة المنورة ) بعد البيعة العقبة الأولى والثانية سنة (12) من البعثة، (621م) سلما دون قهر، وعن طيب نفس من كل واحد من الأنصار، – رحمة الله عليهم-، إلى أن استتب الأمر لرسول الله – عليه الصلاة والسلام – و قويت شوكته في المدينة، رغم الغزوات التي خاضها والسرايا التي بعثها.

ثم تابع الرسول- عليه الصلاة والسلام- الحركات الدعوية ممتثلا قوله تعالى {‌يَٰٓأَيُّهَا ‌ٱلرَّسُولُ ‌بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ}[المادة :67] كما جمع بين هذه الآية وغيرها من المبادئ الدعوية العظيمة مثل قوله – جل في علاه -:{‌لَآ ‌إِكۡرَاهَ ‌فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة : 256]، وعلى هذا الأساس الطيب المتين وضع رسول الله – عليه الصلاة السلام- دعوته، حتى أقبل عليه جميع سكان الجزيرة العربية وغيرها، كالفرس والروم والحبشة، فدخلوا الإسلام طوعا لا كرها، حتى لقي الرسول ربه في السنة الحادية عشر من الهجرة -عليه الصلاة والسلام-، وعلى هذا المبدأ سار صاحبه وخليفته أبو بكر الصديق، والخلفاء من بعده – رضوان الله عليهم أجمعين -.

وخير دليل على هذا يتمثل في الشروط الثلاثة التي كان المسلمون يعرضونها على أهل بلد دخلوه، كما قال سيدنا عمرو بن العاص- رضوان الله عليه- ردا على رسالة المقوقس في فتح مصر ” إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما إن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين”. وبالتفكير الجيد لهذا الكلام، ندرك أن عَمرا- رضوان الله عليه- قدم الغرض الأساسي، والهدف الرئيس من الفتح، وهو نشر الإسلام، وقد قال الله تعالى {‌وَمَآ ‌أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا} [ سبأ : 28).

وفي الطبري، يقول تعالى ذكره:( وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرا من أطاعك، ونذيرا من كذبك).

 

الهدف الثاني، إظهار قوة المسلمين:
بدأ المسلمون بفتح البلاد لصلاح العباد، وذلك بنشر الإسلام فيها، ولكن وقف البعض من الذين امتلأت قلوبهم بالكفر، ضد هذه الحركة الدعوية الربانية، وتظاهروا على الرسول ورسالته بأنواع من الغطرسة والتطاول، ومنهم الحارث بن شمر الغساني ملك الغساسنة الذي استهان برسالة الرسول التي أرسلها إليه، فمزقها، والرسول يدعوه فيها إلى الإسلام.

كما سخر شرحبيل الغساني حاكم البلقاء من الحارث بن عمير الأزدي مبعوث الرسول إليه، وأمر بقتله، فكان هذا الحدث سببا لمقاتلة الغساسنة في معركة موتة سنة (8هـ/629م).

حيث أظهر المسلمون قوتهم الحربية، حين واجه ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين مائتي ألف مقاتل من الروم، حتى قال عنهم الرسول عند عودتهم ( ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله)، وسمّى هذه السرية فتحا.

وبالنسبة للفرس: لم يكن الفرس أقل تعصبا من الروم في عَدْوهم للإسلام، وعندما نقرأ صفحات التاريخ تتأكد لنا هذه النفسية المتعالية، والعقلية المتغطرسة للفرس، فحينما أرسل رسول الله – عليه الصلاة والسلام – عبد الله بن حذافة إلى كسرى فارس برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، استفزه الغضب وتملكه الغرور واستعظم أن يخاطبه محمد – عليه الصلاة والسلام – فقال : “أ يكتب إليّ هذا وهو عبدي؟” ثم مزق الرسالة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن يبعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عنده ليذهبا به إلى كسرى”.

ولما بلغ الرسول ما صنع كسرى بكتابه قال : ( مزق الله ملكه ) واستجاب الله دعوة نبيه فتمزق الملك إذ سلط الله على كسرى ابنه شیرویه فقتله وتبوأ عرشه.

 

الهدف الثالث تأمين حدود الدولة الاسلامية

من الأهداف التي كانت وراء الفتوحات الإسلامية حفظ حدود الدولة الإسلامية وسكانها وأعراضهم وأنفسهم من الأخطار الخارجية واغتيال الأعداء بهم، وكانت مراعاة هذه الأمور وحفظها مما يدعو إليه الدين والطبيعة.

ويضح ذلك في موقف خليفة رسول الله أبي بكر الصديق – رضوان الله عليه ـ في معاركه ضد امبراطوريتي الفرس والروم حين قاموا بمد المساعدة إلى المرتدين بعد وفاة الرسول – عليه الصلاة والسلام. ولكن المسلمين قاموا خير قيام لإخماد حركة الردة التي كادت أن تشق حمى الإسلام شقين، وحُقَّ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم ودينهم .

كما يتبلور-أيضا- أن حفظ البلاد والعباد من أعظم أهداف الفتوحات الإسلامية، وذلك في فتح بلاد مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضوان الله عليه، حين جرى الحوار بينه وبين الصحابي الجليل عمرو بن العاص – رضوان الله عليه- حول هذا الفتح، فإن عمرا عرض على الأمير عمر بن الخطاب أن يقوم المسلمون بفتح مصر، لما رأى الرومان قد هربوا إليها عند حصار المسلمين لبيت القدس، وأبى عمر ذلك خوفا على المسلمين فلا يرضى أن يجتاز المسلمون البحر، وهذا من حنان الأمير إزاء الرعية.

ثم تابع الصحابي الجليل عمرو بن العاص الحوار مع الأمير، ومن أقنع الأدلة التي قدمها له حتى اقتنع وأذن بفتح مصر هو ألا يحاول جيش الروم – الذين فروا من الشام إلى مصر – حشد الجيوش في مصر لملاقاة المسلمين، وإن لم يتعقب المسلمون الرومان في مصر قبل أن يجتمع أمرهم، ويكملوا استعدادهم، أنهم من غير شك سيملكون زمام المواقف، وينقلب ميزان القوى على حدود الشامية المصرية، وبين لحظة وأخرى يجب على المسلمين أن يترقبوا هجوما منظما وقويا من الرومان الزاحفين من القواعد المصرية تجاه الشام برا وبحرا، وليس ببعيد أن يتمكنوا من استرداد الشام كله، فضلا عن احتمال هجومهم على شبه الجزيرة العربية نفسها فيما بعد، ويختتم عمرو الحديث إلى الخليفة بقوله : “إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم”.

وبعد هذا التوضيح والتعليل وجد الخليفة نفسه مطمئنة إلى رأي عمرو، وأن من المصلحة الكبيرة للدولة أن يعطي عمرا تفويضا بفتح مصر، فعقد له أربعة آلاف رجل كلهم من قبيلة (عك بن عدنان)، وهي قبيلة عربية. وقيل عددهم: ثلاثة آلاف وخمسمائة، وكان ذلك في أواخر سنة (18هـ/639م).

إن الحوار الذي جرى بين عمرو بن العاص وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضوان الله عليهما-، ينبئنا بالغرض الأساسي في فتح بلاد مصر، وهو تأمين حدود الدولة الإسلامية من هجوم جيش الروم الهاربين من الشام- في أثناء حصار البيت المقدس لغرض الفتح – إلى مصر.

 

الهدف الرابع، تخويف العرب غير المسلمين من الإغارة على المسلمين في المدينة

ويظهر هذا جليا في سبب فتح مكة، حين نقضت فريش معاهدة صلح الحديبية بمساعدتها لحليفها ( بني بكر ) على حليف رسول الله – عليه الصلاة والسلام – ( خزاعة) بالسلاح والرجال، الأمر الذي جعل رسول الله – عليه الصلاة والسلام – أعد جيشا لفتح مكة سنة (8هـ/629م) ومن خلال هذا الفتح المبين تأدبت قبائل العرب وأدركت مدى قوة المسلمين الحربية، ودخل الإسلام حينها خلق كثير.

خاتمة
ويتضح لنا مما سبق أن الفتوحات الإسلامية في العهد النبوي، وفيما بعده يندرج أكثرها تحت الأهداف التي بيّنها هذا المقال.

وإذا قرأنا أو بلغنا أن المسلمين دخلوا في أي معركة ضد غيرها فهي لم تكن ابتداءا حركة هجومية ولا اعتدائية، كما شهد لهذا كتابنا الذي بين أيدينا. قال الله تعالى:{ ‌وَقَٰتِلُواْ ‌فِي ‌سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (البقرة :190)، وقال تعالى : { ‌وَقَٰتِلُواْ ‌فِي ‌سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ } [البقرة : 244]. كما أن المسلمين في جميع حروبهم كانوا يراعون المبادئ الحربية الشرعية، قال تعالى: { ‌فَمَنِ ‌ٱعۡتَدَىٰ ‌عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} [البقرة : 194].

وتشهد الوقائع التاريخية لهذا -كما سلف- أن الغزوات التي خاضها المسلمون في العهد النبوي، والمعارك التي دخلوها من بعده، كلها لم تكن إلا حركة الدفاع والحماية، خلافا لفرية المستشرقين – كفانا الله شرهم -.

هذا ولله الحمد من قبل ومن بعد، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على نبينا المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم إلى يوم الدين.

المصادر والمراجع:
1. ابن جرير الطبري : تفسير الطبري.
2. حامد أحمد الطاهر غزوات الرسول – صلى الله عليه والسلام – ، دار الفجر للتراث.
3. السيد الدقن(الدكتور) وآخرون، العالم الإسلامي – ماضيه المجيد، وحاضره المؤلم، ومستقبله المنشود -، الطبعة الأولى، القاهرة، (2014م).
4. صفي الرحمن المباركفوري : الرحيق المختوم الجامعة السلفية – الهند.
5. محمد جبر أبو سعده( الدكتور) وآخرون : دراسات في تاريخ مصر العربية.
6. محمد محمد عبد القادر الخطيب (الدكتور) : عصر الخلفاء الراشدين أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر.

 

اقرأ أيضًا

العلم نبراس الحياة

التعليقات