الزمان: عام 1910م
المكان: المملكة المتحدة
“أفيقي من هذه الغيبوبة التي ترقدين فيها، فنظرة من عينيك كفيلة بالانتصار على كل ما ارتكب ضدك” لم تكن سوى بضع كلمات منقوشة على قبر إحدى الأميرات، لكن وقعها كان كافيًا بجلب النحس لكل من يفكر بالاقتراب منها، لتبدأ سلسلة من الحوادث المأسوية التي حيرت العلماء والمؤرخين لزمن طويل، أبرزها غرق السفينة تايتنك وارتباطها بالأميرة النائمة «آمن رع» أو كما عرفت باسم «المومياء المنحوسة».

لعنة الفراعنة بين مؤيد ومعارض
باتت لعنة الفراعنة لوقت طويل موضع اختلاف بين العلماء، فمنذ أن ظهرت مع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون؛ انقسم الباحثون إلى شقين كل منهم له أدلته وبراهينه.

الفريق الأول يؤيد فكرة لعنة الفراعنة.. ويقول أن كهنة المصريين القدماء كانوا يمارسون السحر، ويحصنون المقابر بالتعاويذ؛ لضمان راحة الملوك الأبدية، وحتى لا يتطفل عليهم أحد اللصوص وينهب ثروتهم، فمن تأخذه شجاعته للدخول إلى المقبرة؛ فسوف يطارده مصير مأسوي.

الفريق الثاني كذب لعنة الفراعنة.. ونسبوا تلك الأحداث الغريبة إلى أدلة علمية مثبتة، فقالوا إن المواد الكيميائية والمشعة التي كان يستخدمها المصريين القدماء لتحنيط جثثهم، هى السبب في أغلب حالات الوفاة، بالإضافة إلى البكتيريا السامة التي عثروا عليها داخل المقبرة، فحسب رأيهم لعنة الفراعنة ليست سوى خرافة لا أساس لها.

المومياء المنحوسة.. هوية الأميرة آمن رع
تعددت الأقاويل والروايات التي تناولت فكرة لعنة الفراعنة، إلا أن لعنة هذه الأميرة ليست كمثيلاتها، حسب ما ذكر الباحثين تسببت تلك المومياء في مقتل كل من يقترب منها، ويلمس تابوتها، أو تكون له علاقة بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل طال الأمر من حاول التقاط صورة معها، ليتصدر اسمها عناوين الصحف والمجلات تحت اسم المومياء المنحوسة أو الملعونة.

الغريب في الأمر أن اللعنة لم تكن مرتبطة بالمومياء كما هو معروف، بل ارتبطت بغطاء خشبي ملون طوله 162 سم، قد يكون غطاء تابوت المومياء أو جزء داخلي منه، على الرغم من ذلك تسبب هذا الغطاء بخراب اهتز له العالم.

أثبت تحليل الغطاء الخشبي أن الأميرة آمن رع عاشت في فترة زمنية بدأت من 900 إلى 1500 ق.م، واستنتج الباحثون أن آمن رع كانت أميرة فرعونية ذات شأن عظيم؛ والسبب في ذلك يعود إلى مقبرتها الفاخرة والتي كانت حكرًا على الملوك آنذاك، كذلك النقوش والرسوم الملونة والخشب ذو الجودة العالية الذي غطى تابوت الأميرة.

ما تزال هوية الأميرة آمن رع مجهولة، فلا توجد أي وثائق تاريخية تتحدث عنها أو عن فترة حكمها، سوى بعض النصوص الهيروغليفية التي تشير إلى أنها كانت أحد كهنة معبد آمن رع المرموقين؛ لهذا السبب سميت آمن رع.

لعنة المومياء.. الحدث الذي أطلق فتيل السلسلة المأسوية
بدأت أحداث النحس عام 1910 حينما اشترى العالم الإنجليزي “دوغلاس مواري” المومياء بسعر بخس جدًا، قيل أنه كان 4000 دولار وهو مبلغ زهيد مقابل مومياء فرعونية أصلية، لكن دوغلاس لم يفكر في الأمر واعتبرها صفقة رابحة، لتكون بداية اشتعال فتيل اللعنة.

سيموت كل من يقترب مني.. بداية سلسلة لا تنفك من الرعب
طالت اللعنة القاتلة الجميع، فقد توفي البائع الذي تسلم النقود من دوجلاس موراي في ظروف غامضة، كذلك توفي العاملان اللذين حملا المومياء وسلماها إلى موراي في ذات الليلة، ولم تكن تلك سوى البداية ليكر معها خيط لعنة المومياء.

لم يسلم موراي من اللعنة، ففي الليلة التي اشترى بها المومياء خرج في رحلة للصيد، ودون سابق إنذار انفجرت البندقية في يده، وبقى في المشفى لفترة حتى تم بتر ذراعه بالكامل، ومن هنا لاحظ موراي أن تلك المومياء نذير شؤم ففكر في طريقة للتخلص منها.

قرر موراي أن يهدي المومياء المنحوسة إلى صديقته علّه يرتاح منها قليلًا، لتنتقل اللعنة إلى صديقته مسببة مأساة ثلاثية، بدأت بوفاة والدة صديقته، مرورًا بفسخ خطبتها دون أدنى سبب، وختامًا بوفاة صديقته نفسها في ظروف غامضة، لتعود المومياء بلعنتها إلى موراي مرة أخرى.

بعد أن عادت المومياء المنحوسة مرة أخرى، حاول موراي التخلص منها ولكن لم يستطع، فقد رفض الجميع امتلاكها بعد أن رأوا كارثتها المهيبة وخطورتها على حياتهم، فلم يجد أمامه حلًا سوى أن يهديها إلى المتحف البريطاني دون مقابل، كمحاولة للتخلص منها نهائيًا لتبدأ سلسلة مروعة أخرى من الحوادث الكارثية.

أصوات صراخ وعرّافة غامضة.. مومياء منحوسة في المتحف البريطاني
أُعتقد موراي أن المشكلة قد انتهت بدخول المومياء للمتحف البريطاني لكن لا جدوى، لن تسامح المومياء كل من يزعجها، ففي نفس اليوم الذي تقرر فيه نقل المومياء تعطل محرك السيارة التي كانت تحملها دون أي سبب، كذلك تأذى العمال المسئولين عن نقلها، وكسرت ساق أحدهم دون أسباب.

كانت الليلة التي دخلت بها المومياء المتحف مشئومة على الجميع، فقد توفي مدير المتحف في ظروف غامضة، ومات أيضًا عالم الآثار المسئول عن استلام المومياء بمرض غريب بمجرد وصولها.

التقط أحد المصورين صورة للمومياء وبعد أن قام بتحميضها ظهر له وجه مرعب في الصورة، واستمر في مطاردته طوال الوقت حتى أنهى حياته بشكل مأساوي.

انتشرت شائعات تقول أن القاعة التي توجد بها المومياء يصدر منها صوت صراخ ونحيب مخيف، لدرجة أن عمال النظافة كانوا يخافون الاقتراب منها عند التنظيف، خاصة بعد موت أحد المسئولين عن المعروضات حينما حاول مسح الغبار عن تابوت المومياء.

ومع استقطاب السياح لمشاهدة تلك المومياء المعروضة، حاول أحد السياح أن يلمس التابوت الخشبي الخاص بالمومياء، لتصيبه اللعنة وتتوفى ابنته بالحصبة بعد فعلته بأيام قليلة.

جاءت العرّافة وخبيرة الظواهر الخارقة “هيلينا بلافاتسكي” في زيارة للمتحف لفحص مومياء الكاهنة آمن رع، وبمجرد دخولها إلى قاعة المومياء أصيبت برعشة شديدة، وقالت أن المومياء تحمل قوى شريرة وأن هذه اللعنة لن تنتهي إلا بخروج المومياء من المتحف.

رحلة انتقال إلى المتحف التاريخي بنيويورك
قرر المتحف البريطاني التخلص من المومياء لكن دون جدوى، فالأحداث التي انتشرت في ذلك الوقت جعلت جميع متاحف إنجلترا ترفض استقبال تلك المومياء في قاعاتها.

استمر الحال على ما هو عليه، حتى جاء رجل أعمال أمريكي قرر أن يتحدى اللعنة، ويقوم بنقل المومياء من المتحف البريطاني بلندن إلى المتحف التاريخي بنيويورك، على متن أضخم سفينة بحرية “التيتانك” وهنا حدثت أكبر كارثة عرفها التاريخ.

حقيقة غرق التيتانك
في عام 1912 وضعت المومياء على متن سفينة ضخمة متجهة إلى هناك يُقال أن تلك السفينة كانت “التايتنك“، أشهر سفينة عُرفت في التاريخ، التي اصطدمت بجبل جليدي وغرقت في قاع المحيط الأطلنطي.

استنتج بعض الباحثين أن المومياء المنحوسة غرقت مع السفينة تايتنك، والسبب في نسب غرق السفينة إلى المومياء آمن رع هو الملابسات الغريبة التي أحاطت بغرق السفينة، ليبدأ العلماء في الانقسام إلى شقين منهم مؤيد ومعارض.

رأي المؤيدين.. تصرفات غريبة أحداث وروايات مأسوية ومريبة
1- ذكر الكاتب اللبناني “ميشال كرم” في كتابه “لبنانيون في التايتنك” أن الكاهنة المصرية آمن رع التي ذاع صيتها في حكم الملك أخناتون، هي سبب هذه الفاجعة حيث تم وضعها على متن السفينة بسرية تامة.

2- يستند كرم في أدلته إلى تصرفات قبطان السفينة “الكابتن سميث” والتي وصفها بالمريبة، التي بدأت في إتجاهه بسرعة شديدة نحو جبل الجليد، وطريقته في طلب النجدة، ثم تأخره في إعلان خطة النجاة لآخر لحظة.

3- أضاف كرم في كتابه بضع روايات مريبة ومأسوية متعلقة بغرق التايتنك، تقول أن النعش كان يصدر منه أصوات غريبة ليلًا وهمهات غير مفهومة.

4– ما قاله الصحفي “وليام توماس ستيد” الذي كان يعرف نفسه بأنه عالم روحانيات وما وراء الطبيعة، أنه أثناء وجوده على متن التيتانك كان يتحدث عن لعنة الفراعنة، وخاصة المومياء المنحوسة وأنها تجلب الهلاك لكل من يتعامل معها، حتى غرقت السفينة وغرق معها في الأعماق، وتناقلت قصته بواسطة بعض الركاب الناجين حتى وصلت إلينا.

رأي المعارضين.. مارجوري كايغل وزاهي حواس ولجنة تقصي الحقائق
رفض الكثيرين فكرة لعنة المومياء المنحوسة وعلاقتها بغرق السفينة تايتنك.
1- ذكر “مارجوري كايغل” في كتابه “كنوز المتحف البريطاني” نقلًا عن أحد المسئولين في المتحف أن المومياء لم توجد في المتحف من الأساس، بل كل ما وجد كان النعش فقط، ولفت كايغل أن المتحف لم يفسر سبب عدم وجود المومياء.

الرد عليه: اعتبر المؤيدين عدم وجود المومياء مع التابوت ثغرة تُفسر غرق المومياء المنحوسة مع التيتانك.

2- تابع كايغل أن النعش لم يذهب على الإطلاق على متن التايتنك، والدليل أنه ما زال معروضًا إلى يومنا هذا ورقمه التسلسلي 22542.

3- نشر الدكتور زاهي حواس مقال في صحيفة الشرق الأوسط عام 2012، ذكر أنه أثناء زيارته لإلقاء محاضرة بمدينة بالفست بأيرلندا وجد مومياء الأميرة آمن رع بمتحف الجامعة.

وعلم أن المليونير الأمريكي أهدى المومياء للجامعة بعد أن كان يخطط لنقلها معه إلى أمريكا على متن التيتانك، لكن بعد خبر غرق السفينة أعتقد أن نيته لنقل المومياء كانت السبب في غرقها؛ لذلك تركها في آيرلندا وعاد إلى بلاده وحيدًا.

الرد عليه: رد المؤيدين على هذا بأنه من الممكن أن تكون المومياء قد نقلت بالفعل على متن التيتانك، وعندما حدثت الفاجعة وغرقت السفينة باتت المومياء قابعة في الأعماق، ومع الوقت تم استخراجها من المحيط ونقلت إلى آيرلندا.

4- ذكر تشارلز هاس رئيس لجنة تقصي الحقائق بخصوص غرق التيتانك أنه راجع السجل الخاص بحمولة السفينة، ولم يجد أي شيء يدل على وجود أي مومياء أو تابوت على متن السفينة.

الرد عليه: رد المؤيدين على هذا أيضًا بأن المومياء قد نُقلت بسرية تامة حتى لا يفزع أمرها الركاب، خاصة بعد كثرة الأقاويل المتداولة عنها؛ لذا لم يكتب في السجلات أي شيء عنها كي لا تلفت الانتباه.

وفي النهاية يبقى أمر لعنة الأميرة آمن رع أمرًا محيرًا، فالفراعنة استخداموا السحر وقد أكد القرآن الكريم ذلك، لذا فالأمر بنسبة كبيرة قد يكون حقيقيًا، كذلك قد لا يخرج عن كونه مجرد مجموعة من الصدف أجتمعت معًا في إطار واحد لتشكل لعنة أسطورية.


التعليقات