محمد رسول الله
الشيخ أحمد على تركي

بقلم/ الشيخ أحمد على تركى

 

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ رَسُولُهُ حَقًّا بِلَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ فَقَالَ: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وَهَذَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى كُلِّ وَصْفٍ جَمِيلٍ ، ثُمَّ ثَنَّى بِالثَّنَاءِ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:  «وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»، كَمَا قَالَ تَعَالَى:  «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ»، الْمَائِدَةِ: ٥٤، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ شَدِيدًا عَنِيفًا عَلَى الْكَفَّارِ ، رَحِيمًا بَرًّا بِالْأَخْيَارِ، غَضُوبًا عَبُوسًا فِي وَجْهِ الْكَافِرِ، ضَحُوكًا بَشُوشًا فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ .

كَمَا قَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً»، التَّوْبَةِ: ١٢٣، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الواحد، إذا اشتكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالحمَّى والسَّهر»، وَقَالَ :« الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ»، كِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِي الصَّحِيحِ.

وَقَوْلُهُ : «تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا»: وَصَفَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَةِ  الصَّلَاةِ ، وَهِيَ خَيْرُ الْأَعْمَالِ ، وَوَصَفَهُمْ بِالْإِخْلَاصِ فِيهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالِاحْتِسَابِ عِنْدَ اللَّهِ جَزِيلَ الثَّوَابِ، وَهُوَ الْجَنَّةُ  الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ، وَهُوَ سَعَةُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ وَرِضَاهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ :«وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ»، التَّوْبَةِ: ٧٢.

وَقَوْلُهُ : «سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ»: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ»،  يَعْنِي : السَّمْتَ الْحَسَنَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ :يَعْنِي: الْخُشُوعَ وَالتَّوَاضُعَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّنَافسي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجَعْفي عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ :«سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ»، قَالَ: الْخُشُوعُ قُلْتُ: مَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا هَذَا الْأَثَرَ فِي الْوَجْهِ ، فَقَالَ : رُبَّمَا كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْ مَنْ هُوَ أَقْسَى قَلْبًا مِنْ فِرْعَوْنَ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ : الصَّلَاةُ تُحَسِّنُ وُجُوهَهُمْ .

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ.

وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّلْحي ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  ﷺ :«مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ»، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا فِي الْقَلْبِ وَضِيَاءً فِي الْوَجْهِ وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ النَّاسِ.

وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ :مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَات وَجْهِهِ، وفَلتَات لِسَانِهِ.

وَالْغَرَضُ أَنَّ الشَّيْءَ الْكَامِنَ فِي النَّفْسِ يَظْهَرُ عَلَى صَفَحَاتِ الْوَجْهِ ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا كَانَتْ سَرِيرَتُهُ صَحِيحَةً مَعَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ ظَاهِرَهُ لِلنَّاسِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ .

تفسير ابن كثير

 

التعليقات