ما بين وادي الملوك.. وأحجار الكوارتيزت.. أول من ارتدى القفازات.. وحقيقة موتها مقتولة.. تعرف على حياة الملكة «حتشبسوت»

 

طمسها الزمان وتعاقبت عليها القرون، فاقت عظمتها جميع ملكات العالم الحديث، إنها الملكة حتشبسوت الفرعون التي قادت الإمبراطورية المصرية ونهضت بها، ليحفر تاريخها بالكثير من الفن والأبداع، وتصدح أخبارها فى البلدان المجاورة، ولكن حاول البعض محوها من ذاكرة التاريخ، وكشط كل ما يتعلق بها من نقوش ورسوم على جدران المعابد بطريقة بالغة الدقة؛ ومع ذلك لم يمس كل ما يتعلق ببقية أفراد العائلة الملكية، فما السر في ذلك يا ترى؟

بدأ التاريخ يدون ميلاد الملكة الفرعونية
في مدينة طيبة صبيحة هذا اليوم عام 1508 ق.م وعلى مقربة من القصر الملكي، كان قصر النبيل تحتمس يعج بصوت خطوات الأقدام التي راحت جيئة وذهاب، كثرت الحركة والاضطراب وأخذ العاملون يتبادلون الكلمات مبتسمين بسعادة، حان وقت الوضع!

لقد وضعت “أحموس” وليدة جميلة تحمل معالم الذكاء والفطنة، حينما رأتها للوهلة الأولى قالت: “حتشبسوت” أرفع النبيلات قدرًا ومنزلة.

كان الجميع تغمرهم السعادة، ولكن ليس بقدر هذا الوالد “تحتمس” الذي كان ينتظر الطفلة على أحر من الجمر، وتعالت أصوات المهللين حينما دخلت الملكة “أحموس” -حفيدة البطل أحمس طارد الهكسوس-، بطفلة رائعة الحسن، ليبدأ التاريخ بتدوين ميلاد بطلة مصر وملِكتها الخامسة من الأسرة 18.

طفولة غنمت آمون حتشبسوت
عاشت حتشبسوت سنواتها الأولى في مدينة “واست” طيبة، وعندما شارفت عامها الرابع وضعت أمها “نفرو_بيتي”؛ لتشارك حتشبسوت اللعب وتكون أختها ورفيقة طفولتها، ولكن حياتها لم تدم طويلًا.

كانت حتشبسوت تهتم بكل ما يحيط بها من بيئة وبساتين وقصور، وكيف تم تشييد هذه المباني الشاهقة، وتتأملها بدهشة وانبهار.

وعندما بلغت حتشبسوت عامها السابع، اصطحبها والدها تحتمس إلى المكتب الخاص بجاره “إنيني”، وأثار إعجابها أعماله الفنية والمجوهرات والحلي التي قام بتصميمها.

وفي وقت الراحة كانت حتشبسوت تذهب برفقة حاضنتها “سات_رع” لمشاهدة الأنشطة المعمارية بمعبد الكرنك، -حقًا فلم يكن إنشائها للدير البحري وليدًا من فراغ- وما أثار أنبهارها هو ذلك المعبد الضخم المكون من عدة طبقات وأعمدة متعددة خاصة بالفرعون “منتوحتب”.

حينما كانت حتشبسوت تواصل متابعة دروسها وإرضاء شغفها بمراقبة المعمار، توفى الملك “امنحتب الأول” -أحيانًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن- اضطرت الحاضنة “سات_رع” أن تترك تلك الأميرة الصغيرة ما بين عامها الثامن والتاسع.

وقع الاختيار على “تحتمس الأول” ليتولى مقاليد الحكم على الرغم من كونه بعيدًا في انحداره من السلالة الحاكمة؛ مما فتح بابًا للخلافات التي سرعان ما سترج البلاط الملكي لتطل الصغير قبل الكبير، وبهذا أصبحت حتشبسوت وأختها أميرتين رسميتين للبلاد.

التعليم الملكي ومغامرات ابن إبانا
بدأت حتشبسوت تحضر دروس التاريخ وتوجه الأسئلة لأستاذها “أحمس بن إبانا”، رئيس البحارة الذي كان في جعبته الكثير من القصص والحكايا لمغامرات فريدة، ويبدأ في سردها لتسمعها حتشبسوت في شغف وتتدارك مغزى كل قصة، فقص عليها حكايا عن الهكسوس والحرب التي استمرت سنوات، وفترة الاحتلال وإعادة الغزو وبلاد الجنوب النائية والقتال في بلاد كوش.

وشارك “ابن إبانا” في عملية تعليم حتشبسوت “أحمس بن نخبت”، وتعلمت حتشبسوت التقويم الزمني، وبدأت تتعرف على الحياة الريفية وموعد انحسار مياه الفيضان وما يقوم به الفلاحون من إعداد للتربة.

زواج غير منتظر
بعد عودة “تحتمس الأول” من القتال في بلاد “كوش” استشعر هلاكه ودنو أجله؛ فكان لا بد أن يحدد من يخلفه في وراثة الحكم -وهنا كانت المعضلة- فعندما نظر تحتمس إلى ابناؤه الذكور من زوجته “موت_نفرت” وجدهم غير مؤهلين لحكم مصر، “واج مس” خارج المنافسة قطعًا، وأصغرهم “تحتمس الثاني” وهو لا يفكر بالحكم، وأكبرهم “إمنمس” فهو قائد بالعسكرية لكنه يفتقر للصفات التي تجعله حاكمًا.

لم يجد “تحتمس الأول” من هو أصلح لحكم البلاد من ابنته حتشبسوت، ولكن -في ذلك الوقت- لم يكن من المسموح للمرأة أن تنفرد بحكم البلاد دون وجود ملك بجانبها؛ لذا عندما عادت حتشبسوت من طيبة وجدت نفسها أمام زواج غير متوقع غصبًا أو طوعًا من أصغر إخوانها غير الأشقاء “تحتمس الثاني”، وكانت حتشبسوت قد ناهزت وقتئذ العام 18 من عمرها أما أخوها غير الشقيق قد بلغ عامه 17، وأقام الزوجان بقصر خاص على مقربة من مقر الفرعون.

كانت حتشبسوت تشعر بالإهانة، وأحيانًا يخطر ببالها أن والدها عمد لهذه الخطة ليهدأ ثائرة زوجته “موت_نفرت” لأنه لم ينصب الملك من أولادها مباشرة.

وفي عمر التاسع عشر وضعت حتشبسوت أول مولودة لها اسمتها “نفرو رع” وتم تتويج “تحتمس الثاني” ملكًا عندما قارب العام 21 من عمره من خلال المراسم الطقسية كما انجبت حتشبسوت ابنا آخر لكنه سرعان ما توفى، وأنجب تحتمس الثاني “تحتمس الثالث” من زوجته الأخرى “إيزيس” والتي لن تكن تحمل دماء ملكية.

ظهور سنموت.. أشهر علماء الرياضيات في الحضارة الفرعونية
منحت حتشبسوت المهندس سنموت الذي صمم المبنى الرئيسي في المعبد الجنائزي المسمى “دجسرو” ثمانون لقبًا، وكان مسئولا عن رعاية ابنتها، ومن خلال تتبع تاريخ حتشبسوت وطريقة عيشها؛ أشار المؤرخون لوجود علاقة بين حتشبسوت ومهندسها وخادمها الخاص سنموت، وأستدلوا -على ذلك- من خلال تمرير سنموت ممر تحت الأرض يصل قبرها بقبره، ذلك المشروع الضخم الخاص بمقبرتها حيث كان يتعين على كل ملك إعداده وتجهيزه بداية من لحظة تتويجه.

إنجازات حتشبسوت كملكة للبلاد
لم يكن للمرأة في مصر الفرعونية القديمة حق شرعى في تولي الحكم، حيث كان الحق مقصورًا على الرجال فقط، -وفي الوقت ذاته- لم يكن من حق الرجل أن يحكم اطلاقًا بدون المرأة.

وهنا أعتلت حتشبسوت العرش كملكة للبلاد وزوجة لملكها تحتمس الثانى، ولكن حتشبسوت لم تكن كسائر الملكات اللاتي اعتلين حكم مصر، فلم تكن مجرد وجه يقف بجانب زوجها تعبيرًا عن اتحاد الملكين في حكم البلاد، ولكن كسرت حتشبسوت تلك القيود وكرست كل قواها ومواردها في أن تلبي شغفها منذ الطفولة وهو المعمار؛ فأخذت تنشأ الطرق والمعابد والمنازل، بالأضافة لأعظم أعمالها الضريح الذي أنشأته لزوجها في وادي الملوك، هذا إلى جانب التحفة المعمارية التي خلدت ذكرى حتشبسوت بشكل أصيل وهى معبد الدير البحرى، ذلك المعبد الذي كشف للعلماء تاريخ ملكة مصر الفرعونية.

لم تكتف حتشبسوت بالعمارة فحسب؛ فقامت على تحسين أحوال البلاد الداخلية وحاولت إبقاء مصر بعيدة عن الحروب، وأشتهر عصرها بالأزدهار والسلام، كما قامت بتنمية العلاقات التجارية بين دول الشرق القديم وخير شاهد على ذلك رحلتها الكبرى لبلاد بوند.

أدوات استعانت بها الملكة حتشبسوت
كانت الملكة حتشبسوت تعد من الجميلات، فهي أول من ارتدات القفازات وطرزتها بالأحجار الكريمة؛ وذلك لوجود عيب خلقي بأصابعها، وتم الكشف -عن ذلك- بعد رؤية موميائها وهو ما أدهش الباحثين حيث يداها تبدوان طبيعيتين في أغلب تماثيلها، وهي من كانت تأمر النحاتون أن يفعلوا ذلك.

اُستعمل أيضا حجر الكوارتزيت وهو أحد أنواع الحجر الرملي المتماسك الحبات في كل التوابيت الموجودة في عهد حتشبسوت بالأسرة 18.

وفاة أرفع النبيلات قدرًا ومنزلة
توفيت حتشبسوت بما يوافق الرابع عشر من يناير 1457 قبل الميلاد خلال العام 22 من فترة حكمها، وظهر ذلك واضحًا في كتابة على لوحة وجدت ب “ارمبنت”.

بعد وفاة الملكة الفرعونية حتشبسوت عمل تحتمس الثالث على محي آثارها وطمسها وإدعاء استيلائها على عرش والده كما حطم تماثيلها، ولكن على الرغم من محاولاته لطمس معالم الملكة العظيمة وإتلافها، إلا أن علماء الآثار استطاعوا الكشف عن الكثير من هذه المعالم الدالة على عظمة ملكة هذه البلاد، ومن أروع ما تم كشفه معبد الدير البحرى أحد أعظم أبنية التاريخ الفرعونى.

قصة اكتشاف مقبرة الملكة حتشبسوت
تم اكتشاف مقبرة الملكة “حتشبسوت ” في الجانب الشرقي من وادي الملوك في مدينة الأقصر بمصر، على يد هيوارد كارتر، عالم الآثار البريطاني والمتخصص في تاريخ مصر القديمة، حيث عثر على مقبرة حتشبسوت فارغة عام 1903م؛ فذهب إلى مقبرة أخرى التي تخص المرضعة، وكانت تقع أسفل مقبرة الملكة مباشرة في عام 1907م، حيث وجد بداخلها موماتين.

الأولى كانت موضوعة في تابوت خشبي محنطة على الطراز الملكي مما جعل الباحثون وقتها يعتقدون أنها تخص الملكة، بينما الثانية كانت ملقاة على الأرض بجوار الأولى وبدون تابوت، ولاحظ الباحثون أن المومياء داخل التابوت كانت أقصر من طول التابوت (التابوت طوله 2 متر والمومياء طولها 1.05 متر) مما جعلهم يحتارون، وتتوالى الأبحاث بواسطة أحدث أجهزة الأشعة المقطعية وتحاليل الحمض النووي ولكن كلها لم تؤكد من تكون الملكة.

وعندما تم فحصهما تبين أن المومياء التي كانت ملقاة على أرض المقبرة بدون تابوت هي التي ينقصها ذلك الضرس الذي عثر عليه داخل الصندوق وهذا يؤكد أنها مومياء الملكة حتشبسوت، ولذلك فإن أسباب وفاة الملكة حتشبسوت السرطان وأنها كانت تعاني من مرض السكر الذي تسبب في ضعف الأسنان وسقوط الضرس أثناء التحنيط ووضعه في الصندوق الخشبي، وهذا يغير الاعتقاد بأن الملكة ماتت مقتولة.

التعليقات