الزمان: يوم الإثنين 30 مايو 2022
المكان: نهر دجلة بالقرب من محافظة دهوك ضمن إقليم كردستان شمال العراق
منذ أن انحسر الماء عن نهر دجلة وباتت الرسائل والتغريدات تنهال على مواقع التواصل الإجتماعي، ما السبب وراء هذا الجفاف، وكيف أزاح هذا الأمر اللثام عن غموض إمبراطورية ميتاني، وهل هناك ارتباط بين ما يحدث حاليًا وعلامات الساعة؟ أسئلة كثيرة تدور في الخلد نحاول أن نبحث لها عن جواب شافٍ.

من يوم وليلة.. هل أضحى نهر دجلة شيء من السراب؟
العراق أو كما تُعرف ببلاد الرافدين استيقظ سكانها ذات يوم على خبر انحسار الماء عن نهر دجلة، الذي سابقًا كان يفيض بالماء الغزير ولم يكن من المتوقع أن يختفي الماء عنه بهذا الشكل، ولكن يبقى هناك تساؤل ما السبب وراء هذا الجفاف؟

لقد تضافرت مجموعة من العوامل أدت لتغيير مسار القصة وانحسار الماء، منها ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ، وانخفاض مستويات هطول الأمطار، بالإضافة إلى جفاف وتصحر الأراضي، كل هذه الأسباب أثرت علي مياه الأنهار بالعراق.

ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقد طال الكهرباء تأثرًا بقلة المياه في السد، انهارت أيضًا مزارع الأسماك وتراجعت تربية الجاموس فانخفضت أعداده من 300 ألف رأس إلى 30 ألف، أضف لذلك التأثير على البنية التحتية والمرافق الصحية في البلاد، وتعرض حوالي 400 كيلو متر مربع من الأراضي الزراعية لخطر الجفاف التام.

كما جفت بحيرة “حمرين” في العراق بمحافظة “دالي”، كذلك بحيرة “ساوا” بمحافظة “مثنى” الأمر الذي أثر على عملية الزراعة؛ فترك المزارعين مهنتهم وتوجهوا من الأرياف إلى المدن بحثًا عن عمل.

وبسبب إغلاق كل من تركيا وإيران مجاري الأنهار وبناء السدود؛ انخفض منسوب نهري دجلة والفرات بنسبة 73% من المتوقع اختفاء النهرين بحلول 20 عام إن أستمر الحال كما هو عليه.

ومع توالي هذه الأحداث ظهرت مدينة أثرية غامضة، وبات ظهور جبل الذهب قريبًا وهو أحد علامات يوم القيامة.
ظهور المدينة الغامضة.. رب ضرة نافعة
لم يقتصر أمر جفاف أحد النهرين على نتائج سلبية فحسب، فقد عُثر على بقايا لمدينة أثرية يُقدر عمرها ب 3400 عام في محافظة دهوك ضمن إقليم كردستان شمال العراق، ويعتقد علماء الآثار أن الموقع الأثري يعود إلى مدينة “زاتشيكو” القديمة التي كانت مركزًا مهمًا في إمبراطورية ميتاني.

الحضارة المندثرة.. ما وصلنا من معلومات
نهر دجلة.. للأسف الشديد حضارة ميتاني من الحضارات الأقل دراسة في الشرق الأوسط، حتى أن عدد الأبحاث التي ذُكرت بها قليلة جدًا ولا يعرف أحد حتى الآن التاريخ الكامل للمملكة، لدرجة أن عدد كبير من المؤرخين أطلقوا عليها اسم “المدينة المنسية” أو “المدينة الغامضة”.

نهر دجلة.. ومن هنا بدأت الدراسات تتوالى لمحاولة فك لغز “المدينة الغامضة”، فبدأ المؤرخون البحث عن أصول مملكة ميتاني، ولكنهم اختلفوا في آرائهم فبعضهم يقول بأن اللغة الأصلية للملكة هي اللغة الحورية، وأن شعبها كان يقطن شمالي بلاد الشام وما بين النهرين، ولهم عدة أسماء في اللغة الأشورية منها “هانيغالِبَات”.

وامتدت مملكة ميتاني على نهري دجلة والفرات، وكانت مملكة قوية جدًا طال حكمها بلادًا كاملة شملت تركيا والعراق وسوريا، ويرجع تاريخها إلى القرن 17 ق.م في عهد تحتمس الأول، كما كانت ميتاني إحدى القوى العظمى في الشرق الأدنى القديم، حتى أن المصريين القدماء كانوا يطلقون عليها اسم “نهرن” وهذا الاسم مأخوذ من كلمة أشورية أكدية “نَّهَارِين” وتعني “نهر”.

نهر دجلة.. ويعتقد بعض العلماء بأن هذه الحضارة هي التي أعلن عنها تحتمس الثاني في بداية عهده، عندما ذهب في رحلة استكشافية لهذه البلاد ومن بعده امنحتب الثاني.

نهر دجلة.. بينما يقول آخرون بأن المملكة تكونت نتيجة الخلافات السياسية مع الحوثيين، ووجدت في الفترة ما بين 1300 – 1500 ق.م.

نهر دجلة.. لكن الغريب في الأمر أن الملوك الذين تولوا حكم المملكة كانوا يلقبون بأسماء هندية، ولعل السبب في ذلك يُرجح بأن اللغة الحورية التي كان يتكلم بها سكان المملكة أصولها هندية.

عاشت هذه الحضارة في غنى وترف وازدهار، وتركوا إرث عظيم وكنوز ضخمة، حتى طمست الأرض آثارهم ومعالم حضارتهم، واستقر جزء كبير منها أسفل نهر دجلة والفرات.

وعلى الرغم من ظهور المدينة بشكل واضح الآن، فهذه ليست المرة الأولى التي يُكتشف بها أثر تلك الحضارة، ففي عام 2017 كانت بداية انحسار نهري دجلة والفرات، وبدأت تظهر آثار الإمبراطورية تدريجيًا حتى اتضحت معالمها في عام 2019.

سد الموصل يكشف الستار عن حضارة عُظمى
نهر دجلة.. بُني سد الموصل في العراق ما بين عامي 1881 – 1884 وبعد ملأ السد بالكامل بالمياه؛ قل المنسوب في الأنهار وبدأت تظهر بعض الأماكن الأثرية حوله، أهمهم كانت مجمعات صناعية ضخمة ومباني تخزين عملاقة والتي بُنيت من حوالي 3400 عام، لكن الغريب في الأمر صمود هذه الجدران تحت هذه الظروف.

ولهذا السبب بدأ العلماء والمؤرخون يبحثون عن سر ذلك، حتى توصلوا إلى أن زلزال ضخم أصاب هذه المدينة قديمًا حتى جعل عاليها سافلها؛ لذا فالجزء المكتشف حاليًا كان الجزء السفلي الذي لم تمسه المياه لأنه كان مغطى بشكل كامل.
قصر وآثار تفتح المجال أمام الدارسين للتعرف على تاريخ المدينة
نهر دجلة.. بدأ عمال الآثار العراقيين بالتعاون مع الألمان الحفر داخل المنطقة حتى عثروا على قصر ضخم بإرتفاع 6 أمتار يعود تاريخه إلى 3400 عام، لكن بسبب ضعف الإمكانيات لم يستطيعوا دخول القصر أو نقله إلى مكان آخر لاستكشافه بحرية، بالإضافة إلى ارتفاع منسوب المياه الذي وقف عائقًا أمام دراسته.

نهر دجلة.. وما زالت عملية البحث والتنقيب جارية حتى الآن، فلم يظهر من المدينة سوى بعض الجدران والقطع الأثرية وهيكلها العام ومباني بطوابق متعددة، وبعض الأواني الفخارية المدفونة كما وُجد أكثر من 100 لوح مسماري يرجع تاريخه إلى الآشوريين، وقام علماء الآثار بتحديد أماكن المواقع الأثرية في المنطقة والتي وصل عددها إلى 2000 موقع أثري.

حضارة عظيمة.. وسر اللون “الكموني”
نهر دجلة.. كانت بعض ألوان جدران القصر باللونين الأزرق والأحمر، أما بالنسبة إلى بقية الجدران فكانت باللون “الكموني” والتي يطلق عليها علماء الآثار فور رؤيتها “مكان أثري عظيم”؛ وسبب ذلك يعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، حين كان يُطلى ذلك اللون قبل الحضارات العظيمة إشارة لها لتمييزها عن غيرها.

حقيقة جفاف نهر الفرات وارتباطه بعلامات الساعة
عندما بعث النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- كانت منطقة دجلة والفرات من أكثر المناطق المليئة بالخيرات والغابات الكثيفة، ولم يكن لعالم كان أو مؤسسة ما التنبؤ بجفاف أحد النهرين في يوم من الأيام، إلا أن الدين الإسلامي ذكر لنا الحقيقة حذرنا من ذلك في الحديث النبوي الشريف.

فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من علامات يوم القيامة انحسار نهر الفرات وتغير مجراه، حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من دهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلى أكون أنا الذي أنجو».
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يُقْتَتَلُ عليه، فَيُقْتَلُ من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلي أن أكون أنا أنجو»، وفي رواية: «يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا».
والمعنى أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج الكنز، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا.

ويعتبر الآن انحسار نهر دجلة بداية وعلامة على انحسار نهر الفرات، خاصة تسجيل الاثنين مستويات متدنية وغير مسبوقة من قلة منسوب مياه.

التعليقات