معابر الإسلام إلى بلاد يوربا
سليمان أبوبكر أولنريوجو فولارنمي

 

بقلم/ سليمان أبوبكر أولنريوجو فولارنمي

ماجستير في الفقه وأصوله الجامعة الإسلامية بمنيسوتا بأمريكا

 

 

بسم الله والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن نهج منهجهم إلى يوم القيامة، وبعد:

فتاريخ انتشار الإسلام قديم بقدم وجود الأنبياء والرسل. فالله – سبحانه وتعالى – أرسل رسله رحمة للعالمين، قال -تعالى-: «وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا ‌رَحۡمَةٗ ‌لِّلۡعَٰلَمِينَ» [الأنبياء / 107]، ولكي لا يحتج أحد على الله -سبحانه-، قال –تعالى-: «رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ‌لِئَلَّا ‌يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا»،[النساء / 165] وجعل الله آخرهم محمدا –صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي قال الله –تعالى-  له: «‌وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا» [ الشورى / 7]، بعد أن قال له : «‌وَأَنذِرۡ ‌عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ» [الشعراء /214]. وهكذا بدأ الإسلام ينتشر في الجزيرة العربية.

وبما أن الإسلام ليس دين قوم دون قوم، لذلك قال الله- سبحانه وتعالى- لنبيه –صلى الله عليه وسلم-: «‌وَمَآ ‌أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا» [سبأ / 28]. وتحقيقا لهذه الآية دخل الإسلام في مصر سنة (20هـ/640م) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب أول من لقب بأمير المؤمنين – رضي الله عنه، ومن مصر انتقل الإسلام إلى المغرب فالأندلس، ثم الغرب السوداني. وإن كان الإسلام قد عرف طريقه إلى أفريقيا الشرقية تحديدا (الحبشة) أثيوبيا الحالية منذ (السنة الخامسة) من بعثة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فليس هنا محل البحث عنه.

وفي الكلمات التالية أتناول – إن شاء الله – : شعب يوربا وموقع بلادهم الجغرافي، والمعابر التي اتخذها الإسلام إلى بلادهم، التي هي إحدى بلاد السودان الغربية. والله المستعان وبه الثقة وعليه التكلان.

 

أما بلاد يوربا :

فإنها تقع في الجنوب الغربي من نيجيريا، يحدها شمالا نهر النيجر وبلاد النوفي، وجنوبا خليج غينيا، وشرقا بيني صيتي، وغربا بلاد الداهومي وبرغو..

وشعب  يوربا : من شعوب نيجيريا الحالية، ويمثّل قبيلة من قبائلها الكبيرة. وهي تتكلم لغة واحدة، بيد أن لهجاتها مختلفة، ويسكن شعب يوربا في مختلف الأقطار مثل (البرازيل)، (توغو)، (بنين) وغيرها، إلا أن معظمهم يسكنون مناطق الجنوب الغربي من نهر النيجر.

ويعود تاريخ قبائل يوربا في الجنوب الغربي من نهر النيجر إلى نحو ألف سنة(400هـ/1000م)، وكان يعمرها قوم من البرابرة والزنوج والنوبة، قبل نزول يوربا. لذلك قال الدكتور حسن إبراهيم حسن:” إن أصول مملكة يوربا ترجع إلى المدة التي بين سنتي (100,400هـ المصادف 600,1000م).

ولقد رجح العلامة آدم عبد الله الإلوري (ت :1413هـ/1992م) من كبار مؤرخي قبائل يوربا، أنّ شعب يوربا من أصل عربي، ولا ينافي هذه الحقيقة اختلاطهم مع غيرهم من الشعوب والقبائل المجاورة من الجهات الأربع . وعن أصلهم قال الدكتور حسن إبراهيم:” فإن الدراسات الجنسية الإثنوغرافية أثبتت أنهم[شعب يوربا] لم يكونوا من أصل زنجي، وإنما اختلطوا بالدماء الزنجية على نطاق واسع”.

ولقد أحصيت أكثر من مائة كلمة في اللغة اليوربوية كلها عربية لفظا ومعنى، ولا يمكن بأي حال أن تتحد مائة كلمة في لغتين مختلفتين فيعتبر ذلك من المصادفات أو الاستعارات أو تداخل اللغات. ومن أمثلة هذه الكلمات ما جمعها باحث يوربَويّ الأستاذ داود عبد اللطيف، ومنها:

 

العربية      اليوربوية

1      الوقت       WAKATI

2      الرزق      ARIZIKI

3      الفتنة      FITINA

4      الحِرز         IRIZI

5      الأجَل     AJALU

6      الدعاء         ADUA

7      البركة         ALUBARIKA

8      الأمر    ALAMORI

9      يعرب    YORUBA

10    وعظ     WA’SI

وكلمة يوربا مأخوذة من اسم يعرب بن قحطان، وقال الدكتور حسن إبراهيم إنها مأخوذة من اسم مدينة( ياربا)، وهي المدينة التي نزلها اليوربويون عند هجرتهم داخل أفريقيا،  بعدما طردهم يعرب بن قحطان من بلاد العرب.

وقد أسس شعب يوربا مملكة امتدت من مصب النيجر شرقا حتى بلاد داهومي غربا ، نهر النيجر شمالا وخليج غينيا جنوبا ، وكان يطلق على ملكهم اسم {ألافن}.

 

وتتألف المملكة اليوربوية من السلطات الآتية :

الأولى: الملك وأولاده، وبقية الأمراء من الأسرة.

الثانية : رئيس الوزراء، والوزراء الذين  يعاونونه.

الثالثة: قائد الجيش الأعلى، ورجال الأمن الملكي.

 

طرق وصول الإسلام إلى بلاد يوربا:

 

أما الإسلام في بلاد يوربا فقد دخل بعدة طرق:

الطريقة الأولى: دخل الإسلام عن طريق دعاة ماليين، إلى مدينة  (أَويَولَيْ) وتحديدا، في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي- بُعيدَ وصوله إلى بلاد هوسا-، وذلك في عهد (منسا موسى)( 711هـ-736هـ/1311م- 1336م) سلطان (مملكة مالي).

وعلى ذلك ينسب شعب يوربا الإسلامَ إلى الماليين فسمّوه (دين مالي) (ESIN IMOLE)؛ لأنهم عرفوه على أيديهم أولا، وما زالت هذه التسمية على لسان كبارهم حتى يومنا هذا.

وهناك رواية أوردها (توماس أرنولد) قال فيها:” إن الإسلام في مملكة يوربا بوجه خاص ترسخ قدمه بسرعة. وهناك أسطورة عن محاولة قام بها أحد دعاة الإسلام في هذه البلاد، في وقت مبكر في القرن (الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي)، ولكن هذه المحاولة لم تنجح. كان هذا الرجل من حوصا [هوسا] جاء إلى مدينة( إيف IFE  )حاضرة مملكة يوربا الوثنية وجعل يدعو الناس ويتلو عليهم آيات من القرآن”.

وهذه الرواية مجرد كلام لم يدعمه صاحبه بحقيقة علمية تاريخية تركن إليها النفس في الأخذ بها. وأما (آدم عبد الله الإلوري) ففي روايته ما تتطمئنّ إليه النفس من الحقائق الجغرافية والتاريخية المخلوطة ببعض الكرامات.

أما الجغرافية: فقوله:” أما مدينة (أويولي) المجاورة للأقطار التي تأثرت بنفوذ الإسلام منذ قرون عديد.

إن الناظر في الجغرافية الأرضية لولاية أويو، يدرك أنها لم تكن بعيدة عن الداهومي (جمهورية بنين الحالية) والتي كانت مسرح مملكة صنغاي، إحدى الممالك الإسلامية في الغرب السوداني.

وأما الحقيقة التاريخية، فتتمثل في احتفالات سكان مدينة (أويولي) كعيد (الرباط)، وهذا العيد كان مقتبسا من ربط المصحف الذي أتى به داعية من (مالي) إلى أهل (أويولي)، حين أصيبت المدينة بقحط، فربط الداعي مصحفه ورفعه إلى السماء فأمطرتْ. فمن عامئذٍ بدأ أهل (أويولي) يحتفلون بعيد الرباط.

والدليل على هذا أن مسلمي بلاد يوروبا ما زالوا يطلقون على دين الإسلام (دين مالي).

فهذه الحقائق ما زالت حية يعرفها أبناء يوربا الذين منهم الكاتب.

والإسلام في هذه الفترة محصور في أقاليم قليلة مثل (ربوة السنة) في إلورن، ولم يكن حينئذ دينا منشترا يعرفه الجميع.

فنص الدكتور حسن إبراهيم حسن دل على الطريقة الثانية، وإلا فما أطلق شعب يوربا على دين الإسلام (دين مالي) فسموه ب(دين الفلاني).

الطريقة الثانية: أن الإسلام أخذ طريقة إلى بلاد يوربا، عن طريق الفلانيين الذين استوطنوا بلاد هوسا  منذ (القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي) وفي سوكوتو تحديدا، وهي الفترة التي أشار إليها الدكتور حسن إبراهيم حسن بقوله : “وقد شق الإسلام طريقه إليهم من الشمال على يد الفلاني الذين استقروا في بلاد الحوصا (هوسا).

وقد وردت في ذلك روايات عديدة متناقضة، ولعل السبب في ذلك ضياع أقدم كتاب ألِّف في تاريخ بلاد يوربا، ولكن أقرب هذه الروايات إلى الصواب هي رواية الإلوري؛ والتي  قال فيها : ” كان الشيخ عثمان بن محمد بن فودي-رحمه الله- يبعث أصحابه إلى قرى مختلفة للدعوة في الله، فبعث أحدهم ويدعى الشيخ صالح بن محمد بن جنتا الملقب ب(الشيخ عالم)، إلى جنوب نهر النيجر، وكان – قبل نزول الشيخ عالم- يوجد الإسلام في بعض قرى بلاد يوربا ولكن بشكل ضئيل جدا، فنزل الشيخ عالم في بلاد يوربا، في عاصمتها(أويولي)، وكان قد أخبر الكهنةُ ملكَ يوربا أنه سينزل في أرضه عالمٌ ويكون بقاؤه فيها سببا لذهاب ملكه، ولما نزل الشيخ عالم أحس الملك به فاحتال على إخراجه، ومن الطرق التي سلكها الملك أنه زوّده بعبِيد وإماء وأموال كثيرة. فخرج الشيخ عالم إلى مدن مختلفة في بلاد يوربا منها: إسَين، أَوبَومَشَو، كوهو، وفي المدينة الأخيرة مكث ثلاث سنين، وبها ذاع صيته. وهذه المدينة قريبة من مدينة إلورن التي استقر بجهاتها بعض الفلانيين”. وبالمقابل التجأ أحد قواد ملك يوربا من (أويولي) إلى إلورن اسمه (أفونجا)، هرب من أويولي خوفا من الانتحار؛ لأن كل قائد جيش إذا انهزم في أي حرب، فقد لزمه الانتحار. فهذا الذي دفعه إلى إلورن؛ ليستنجد بالفلانيين، فطلب من الشيخ (عالم) النجدة، فأجابه، وجهز جيشا من الفلانيين، وانتصر (أفونجا) بهذا الجيش على عدوه الملك (ألافن ماكو)(1217هـ – 1246هـ/1802م – 1830م).

ولما أحس أفونجا بغلبة الفلانيين عليه أراد إقصاءهم فقتلوه. فأشار الناس على الشيخ عالم ليكون هو الحاكم في المدينة، فأسس في بلاد يوربا بداية (القرن التاسع الميلادي) إمارة إسلامية تابعة لدولة الشيخ عثمان بن فوديي في سوكوتو شمال نهر النيجر في نيجيريا الحالية. ومن إلورن انتشر الإسلام إلى أنحاء بلاد يوربا.

ختاما نتبين مما سبق أن الإسلام شق طريقه إلى بلاد يوربا عن طريقين (طريق الدعاة الماليين ثم الفلانيين من بلاد هرسا)، كما نلحظ أن وصول الإسلام في المرحلة الأولى لم يقو عوده، كما هو الحال في الغالب، وإنما مر بمراحل قيام وهبوط، حتى وصل إلى مرحلة الاستقرار. وذلك شأن الإسلام في شتى بقاع الأرض، خاصة منطقة دراستنا بلاد يوربا.

هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أهم المصادر والمراجع:

–      آدم عبد الله الإلوري: أصل قبائل يوربا والقبائل المجاورة في نيجيريا: مكتبة وهبة القاهرة، ط/1، (سنة 1433هـ / 2012م).

–      الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فودي الفلاني: مكتبة وهبة القاهرة، ط/1، سنة (1433هـ/2012).

–      حسن إبراهيم حسن(دكتور) : انتشار الإسلام في القارة الإفيقية، مكتبة النهضة المصرية، ط/4، (1398هـ/2000م).

–      محمود شاكر: مواطن الشعوب الإسلامية في  أفريقيا: مؤسسة الرسالة، للطباعة والنشر، ط/2، (1391هـ/1971م).

–      مصطفى زغلول السنوسي: أزهار الربا في أخبار بلاد يوربا: شركة تكنو برس الحديثة للطباعة، بيروت – لبنان، (1407هـ/1987م).

التعليقات