مع طلوع الشمس من مشرقها، ذهب الملك شهريار إلى ديوانه وجلس بين وزراءه، فحكم وولى وعزل، وعندما انفض المجلس، شق طريقه إلى شهرزاد ليسمع حكاية مدينة النحاس التي وعدته بها.
فبدأت شهرزاد تسرد كلامها المنغم: “حكايتنا اليوم يا مولاي، تدور في شأن الجن والشياطين المسجونين في القماقم من عهد سليمان -عليه السلام- وصولًا إلى مدينة النحاس الغامضة.
قال شهريار: “كلي آذان صاغية”.
قماقم النحاس
فقالت شهرزاد: “يحكى أنه في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، كان هنالك خليفة يسمى عبد الملك بن مروان”.
“وفي يوم من الأيام كان جالسًا مع أكابر دولته من الملوك والسلاطين، فوقعت بينهم مباحثة في حديث الأمم السالفة”.
“وذكروا أخبار سيدنا سليمان بن داود -عليهما السلام-، وما أعطاه الله تعالى من الملك والحكم في الإنس والجان والطير والوحش وغير ذلك”.
فقالوا: “إن الله سبحانه وتعالى، لم يعط أحد مثل ما أعطى سيدنا سليمان، حتى أنه كان يسجن الجن والمردة والشياطين في قماقم من النحاس، ويسبك عليهم بالرصاص ويختم عليهم بخاتمه”.
أول من وصل إلى مدينة النحاس
ثم قص أحدهم قصة رجل أبحر في مركب مع جماعته، حتى وصلوا إلى أرض من أراضي الله تعالى، فخرج إليهم أقوام ضخام الأجساد كأنهم وحوش.
فضيفوهم بلحم الطيور والوحوش والسمك، ثم إن أهل المركب نزلوا ليروا تلك المدينة.
فأرخى صياد شبكته في البحر ليصطاد سمكًا، ثم رفعها فإذا فيها قمقم من نحاس مختوم عليه بخاتم سليمان بن داود -عليهما السلام-.
فأخرجه الصياد وكسره فتصاعد منه دخان أزرق بلغ عنان السماء.
ثم سمع صوتًا يقول: “التوبة التوبة يا نبي الله”، ثم ظهر من ذلك الدخان شخص هائل المنظر وطار في السماء حتى غاب عن عينيه.

فرجع الرجل إلى ملك مدينة النحاس وسأله عن ذلك.
فقال له: “اعلم أن هذا من الجن الذين كان نبي الله سليمان بن داود إذا غضب عليهم سجنهم في هذه القماقم، ورماهم في البحر فإذا رمى الصياد الشبكة ويخرج بها القماقم في غالب الأوقات”.
فتعجب أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان من هذا الكلام، وقال: “سبحان الله لقد أوتي سليمان ملكًا عظيمًا والله إني لأشتهي أن أرى شيئًا من هذه القماقم”.
فبعث بخطاب إلى واليه موسى بن نصير، يكلفه فيه بالذهاب إلى هذه المدينة العجيبة التي يُقال أنها بالأندلس، في المغرب الأقصى، ليستقصي أمرها، ويحضر له القماقم السليمانية ليراها بنفسه.
آن أوان الترحال
وبالفعل تسلم الأمير موسى الخطاب واستعد لبدء رحلته إلى مدينة النحاس.
واستعان بالشيخ عبد الصمد بن عبد القدوس الصمودي، الذي كان خبيرًا بالبراري والقفار والبحار وسكانها وعجائبها والأرضين.
لكن الشيخ أعلم الأمير بن النصير أن الطريق للمدينة وعرة وبعيدة، تأخذ مسيرة سنتين ذهابًا ومثلها إيابًا، وفيها شدائد وأهوال وغرائب وعجائب.
حكاية جني العمود
لكن هذا القول لم يمنع موسى من تنفيذ أوامر الخليفة فجهز جنوده وبدأوا مسيرتهم لمدينة النحاس.
ولم يزالوا سائرين، حتى وجدوا في طريقهم عمود من الحجر الأسود، فيه شخص يختفي نصفه في الأرض، وله جناحان عظيمان وأربع أيادي، يدان منها كأيدي الآدميين ويدان كأيدي السباع فيهما مخالب، وله شعر في رأسه، وعينان كأنهما مرآتان، وعين ثالثة في جبهته كعين فهد يلوح منها شرار النار، وينادي سبحان رب الحكم العظيم والعذاب الأليم.
فلما عاينه القوم طارت عقولهم واندهشوا.
فاقترب منه الشيخ عبد الصمد وقال له: “أيها الشخص ما اسمك وما شأنك، وما الذي جعلك في هذا المكان على هذه الصورة؟”.
فقال له: “إني عفريت من الجن واسمي داهش بن الأعمش، وأنا معذب هاهنا إلى ما شاء الله عز وجل”.

قال الأمير موسى: “يا شيخ عبد الصمد اسأله ما سبب سجنه في هذا العمود”.
فسأله عن ذلك فقال له العفريت: “إن حديثي عجيب، وذلك أنه كان لبعض الجن صنم من العقيق الأحمر، وكنت موكلًا به أدخل في جوفه فآمرهم وأنهاهم، وكان يعبده ملك من ملوك البحر يقود من عساكر الجان الألوف، وكان الجان الذي يطيعونه عصاة عن سليمان بن داود -عليهما السلام-.
فوصف أحد الجان لسليمان -عليه السلام- ما يجري، فأرسل للملك يقول له: “اكسر صنمك العقيق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن سليمان نبي الله، فإن فعلت ذلك، كان لك ما لنا وعليك ما علينا، وإن أبيت أتيتك بجنود لا طاقة لك بها، فاستعد للسؤال جوابًا والبس للموت جلبابًا، فسوف أسير لك بجنود تملأ الفضاء وتدرك الأمس الذي مضى عندك”.
تكبر وطغى
فلما جاء الملك رسول سليمان -عليه السلام-، قال لوزرائه: “ماذا تقولون في أمر سليمان بن داود”.
فقالوا أيها الملك العظيم: “هل يقدر سليمان أن يفعل بك شيء وأنت في وسط هذا البحر العظيم ومردة الجن يقاتلون معك، لكن الصواب أن تشاور الصنم العقيق وتسمع ما يكون جوابه، فإن أشار عليك أن تقاتله، فقاتله وإلا فلا”.
ثم قال ذلك العفريت الذي نصفه في العمود للشيخ عبد الصمد ومن حوله: “فدخلت في جوف الصنم من جهلي وقلة عقلي وعدم اهتمامي بأمر سليمان، وجعلت أقول أما أنا فلست منـه خـائف لأني بكل أمـر عـارف”.
فلما سمع الملك جوابي قوي قلبه وعزم على حرب سليمان نبي الله -عليه السلام-.
ولما حضر رسول سليمان ضربه ضربًا وجيعًا، وأرسل يهدده.
ويقول له مع الرسول: “لقد أعلنت الحرب عليك، فإما أن تسير إلي وإما أن أسير إليك”.
ثم رجع الرسول إلى سليمان وأعلمه بكل ما جرى.
جيش عظيم
فلما سمع نبي الله سليمان ذلك، جهز عساكره من الجن والإنس والوحوش والطير.
وأمر وزيره الدمرياط ملك الجن أن يجمع مردة الجن من كل مكان، فجمع له من الشياطين ستمائة ألف.
وأمر اصف بن برخيا أن يجمع عساكره من الإنس، فكانت عدتهم ألف أو يزيدون، وأعدوا العدة والسلاح.
وركب سليمان وجنوده من الجن والإنس على البساط، والطير فوق رأسه طائرة والوحوش من تحت البساط سائرة.
حتى نزل بساحة الملك وأحاط بجزيرته وامتلأت الأرض بجنوده.
ثم أرسل نبي الله سليمان-عليه السلام- إلى ملكنا يقول له: “ها أنا قد أتيت، فادخل تحت طاعتي وأقر برسالتي، واكسر صنمك واعبد الواحد المعبود، وقل أنت ومن معك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سليمان نبي الله، فإن قلت ذلك كان لك الأمان والسلامة، وإن أبيت فلا يمنعك تحصنك مني في هذه الجزيرة، فإن الله تبارك وتعالى أمر الريح بطاعتي، فحملتني إليك بالبساط لأجعلك عبرة ونكالًا لغيرك”.
وكان الملك قد جمع الجن الذين كانوا تحت يده، وضم إليهم غيرهم من المردة والشياطين، ممن سكنوا الجزائر والبحار ورؤوس الجبال، ثم جهز عساكره وفتح خزائن السلاح وفرقها عليهم.
أما نبي الله سليمان -عليه السلام- فإنه نصب له سريرًا من المرمر مرصعًا بالجوهر مصفحًا بصفائح الذهب الأحم.
وجعل وزيره آصف بن برخيا على الجانب الأيمن ،ووزيره الدمرياط على الجانب الأيسر، وملوك الإنس على يمينه، وملوك الجن على يساره، والوحوش والأفاعي والحيات أمامه.
شر هزيمة
ثم زحفوا علينا زحفة واحدة، وتحاربنا معه في أرض واسعة مدة يومين، ووقع البلاء في اليوم الثالث.
عندما حاولت أن أقتل الدمرياط، وإذا به قد برز كأنه الجبل العظيم، نيرانه تلتهب ودخانه مرتفع.
فأقبل ورماني بشهاب من نار فغلب سهمه على ناري، وصرخ صرخة عظيمة اهتزت لها الجبال، فتخيلت أن السماء انطبقت علي.
بعد ذلك ضعفت وخذلت أصحابي وجنودي، ووقعت بملكنا الهزيمة.
أما أنا فطرت من بين أيادي الدمرياط، فتبعني مسيرة ثلاثة أشهر حتى لحقني ووقعت كما ترون.
مدينة لها 25 باب
وبعد أن قص عليهم الجني حكايته، سألوه عن الطريق الموصلة إلى مدينة النحاس، دلهم عليها.
وأخبرهم أن لها خمسة وعشرون بابًا، فبدأ القوم رحلتهم مرة أخرى، حتى وصلوا إلى المدينة.
فجدوا سورها كأنه قطعة من الحديد صبت في قالب، فنزلوا واجتهدوا في العثور على أي باب لها فلم يصلوا لشيء.

فكر الأمير موسى أن يركب جملًا ويطوف حول مدينة النحاس لعله يعثر على أي باب.
وبالفعل نفذ فكرته وسار حول المدينة يومين، فلما كان اليوم الثالث صعد مع أصحابه جبل مقابل للمدينة.
وعندما وصلوا للقمة رأوا مدينة لم تر العيون أعظم منها، قصورها عالية، وقبابها زاهية، ودورها عامرات، وأنهارها جاريات، وأشجارها مثمرات.
وهي خالية يصفر البوم في جهاتها، ويحوم الطير في عرضاتها، وينمق الغراب في نواحيها وشوارعها، ويبكى على من كان فيها.
ما الحل؟!
قال الأمير موسى لوزيره طالب بن سهل ولمن حوله من خواصه: “كيف تكون الحيلة في دخول مدينة النحاس“.
فقال طالب بن سهل: “أرى أن نصنع سلمًا ونصعد عليه علنا نصل إلى الباب من الداخل”.
فقال الأمير موسى: “هذا ما خطر ببالي وهو نعم الرأي”.
ثم أتى بالنجارين والحدادين، وأمرهم أن يجهزوا له سلمًا مصفحًا بصفائح الحديد.
فمكثوا في عمله شهرًا كاملًا، ثم أقاموه وألصقوه بالسور، فجاء مساويًا له.
لا سبيل لنا بالدخول
فتعجب الأمير موسى منه وقال: “بارك الله فيكم، كأنكم قستموه”.
ثم قال للناس: “من يطلع منكم على هذا السلم ويصعد فوق السور ويمشى عليه، حتى ينزل إلى أسفل المدينة لينظر كيف الأمر ويخبرنا بكيفية فتح الباب”.
فقال أحدهم: “أنا أصعد عليه أيها الأمير وأنزل لأفتحه”.
فقال له الأمير موسى: “اصعد بارك الله فيك”.
فصعد الرجل على السلم حتى صار في أعلاه، ثم قام على قدميه ونظر إلى المدينة.
وفجأة صفق بكفيه وصاح بأعلى صوته ورمى بنفسه من داخل المدينة ليسقط ميتًا.

تعجب الجميع من فعلة هذا الرجل، لكن لم يجعلهم ذلك يستسلموا، وكرروا الأمر فصعد ثان وثالث ورابع وخامس.
وكان كل من يصعد السلم إلى السور يفعل كما فعل الأول، ويقفز من أعلى السور صريعًا إلى الأسفل.
اصمد أيها الشيخ
قال الشيخ عبد الصمد: “ما لهذا الأمر غيري”.
فقال له الأمير موسى: “لن أجعلك تصعد هذا السور؛ لأنك إن مت كنت سببًا لموتنا كلنا، فأنت دليل القوم”.
قال له الشيخ عبد الصمد: “لعل ذلك يكون على يدي بمشيئة الله تعالى”، وبعد مشاورات طويلة اتفق القوم على صعوده.
فاستعد الشيخ عبد الصمد وقال: “بسم الله الرحمن الرحيم”.
ثم صعد على السلم وهو يذكر الله تعالى ويقرأ آيات النجاة، إلى أن بلغ أعلى السور، وكما هو متوقع صفق بيديه لما نظر ببصره للمدينة من الداخل.
فصاح عليه القوم جميعًا وقالوا: “أيها الشيخ لا تفعل ولا تلق نفسك”.
رأيت أعجب من الخيال
لكن الشيخ عبد الصمد ضحك ضحكًا زائدًا وجلس ساعة طويلة يذكر الله تعالى ويتلو آيات النجاة.
بعد ذلك نادى بأعلى صوته وقال: “أيها الأمير لا بأس عليكم، فقد صرف الله عز وجل عني كيد الشيطان ومكره ببركة بسم الله الرحمن الرحيم”.
فقال له الأمير: “ماذا رأيت أيها الشيخ؟”.
قال الشيخ عبد الصمد: “لما وصلت أعلى السور رأيت عشر جوار كأنهن الأقمار وظللن يناديني، وكن يشرن إلي بأيديهن ويقلن تعال إلينا، وخيل لي أن أسفلي بحرًا من الماء، فأردت أن ألقى نفسي كما فعل أصحابنا، لكن لما رأيتهم موتى تماسكت وتلوت شيئًا من كتاب الله تعالى، فصرف عني كيدهن، ولم أرم نفسي، ولا شك أن هذا سحر صنعه أهل مدينة النحاس ليردوا عنها كل من أراد الوصول إليها”.
ثم مشى الشيخ عبد الصمد على السور إلى أن وصل إلى برجين نحاسيين.
فرأى لهما بابين من الذهب ولا قفل عليهما، فوقف الشيخ أمام الباب وتأمله.
فوجد في وسطه صورة فارس من نحاس، مكتوب بجانبه افرك المسمار اثنى عشر فركة فإن الباب ينفتح.
الأمير موسى بين شوارع مدينة النحاس
ففعل الشيخ ذلك وإذا بالباب انفتح في الحال، فدخل منه وظل سائرًا حتى وصل إلى سلم له درجات.
وفي كل درجة أقوام موتى، فقال الشيخ عبد الصمد في نفسه: “لعل المفاتيح عند هؤلاء القوم”.
ثم نظر بعينه وإذا هو بشيخ يبدو أنه أكبرهم سنًا، وهو على دكة عالية بين القوم الموتى.
فقال الشيخ: “لعله بواب المدينة وهؤلاء من تحت يده”، فدنا منه وإذا بالمفاتيح معلقة في وسطه.

فلما رآها الشيخ عبد الصمد فرح فرحًا شديدًا، ثم أخذها ودنا من الباب وفتح الأقفال وجذب الباب والمتاريس والآلات.
ففتح الباب بصوت كالرعد، فعند ذلك كبر الشيخ وكبر القوم واستبشروا.
ثم بادر العسكر بالدخول من الباب، فصاح عليهم الأمير موسى وقال لهم: “يا قوم لا نأمن إذا دخلنا كلنا أن يحدث لنا أمرًا؛ لذا فليدخل النصف ويتأخر النصف الآخر”.
ودخل موسى من الباب ومعه نصف القوم يحملون آلات الحرب.
فنظر القوم إلى أصحابهم وهم ميتون فدفنوهم، ثم تابعوا سيرهم فرأوا البوابين والخدم والحجاب والنواب راقدين فوق الفراش الحرير وهم موتى.
فساروا حتى وصلوا إلى سوق المدينة، فنظروا سوقًا عظيمًا ورأوا التجار موتى على دكاكينهم فصاروا عبرة لمن اعتبر.
مدينة الموتى
وكلما دخلوا سوق وجدوا أقوامًا موتى، سواء سوق الجلود أو النجارين أو الجواهر أو العطارين، حتى خرجوا من الأسواق.
فأبصروا قصرًا مزخرفًا، فدخلوه ووجدوا أعلامًا منشورة وسيوفًا مجردة، وترسًا معلقة بسلاسل من الذهب والفضة، وخوذًا مطلية بالذهب الأحمر.
وفي دهاليز ذلك القصر دكك من العاج المصفح بالذهب الوهاج وعليها رجال موتى.
فساروا يتجولون ويتأملون عجيب خلق الله تعالى الذي لم يروا له مثيل.
ثم وصلوا إلى قاعة مصنوعة من رخام مصقول منقوش بالجواهر، يتوهم الناظر إليها، أن في طريقها ماء جارية.
فلما رآها الأمير موسى والشيخ عبد الصمد اندهشا من صنعتها.
وأمر الأمير موسى الشيخ عبد الصمد أن يطرح عليها شيء حتى يتمكنوا أن يمشوا عليها، ففعل ذلك حتى عبروا.
مقابلة مع ملكة ميتة
ثم وصلوا إلى قبة عظيمة مبنية بحجارة مطلية بالذهب، وفيها خيمة من الديباج منصوبة على أعمدة من الذهب الأحمر.
وعلى السرير فتاة كأنها الشمس الضاحية، لم ير أحد أحسن منها، وعليها ثوب من اللؤلؤ، وعلى رأسها تاج من الذهب الأحمر، وفي عنقها عقد من الجواهر، وتبدو كأنها ناظرة إليهم تتأملهم.
لما رأى الأمير موسى الفتاة تعجب من جمالها، الذي يجعل الناظر يظن أنها حية وليست ميتة، فقال لها: “السلام عليكِ”.
فقال له طالب بن سهل: “أصلح الله شأنك أيها الأمير، أعلم أن هذه الفتاة ميتة لا روح فيها، وهي تبدو لك حية؛ لأن عيناها قد أقتلعت بعد موتها، وجعل تحتها زئبق، ثم أعيدتا إلى مكانهما، فصارتا تلمعان، فيخيل للناظر أنها ترمش بعينيها وهي ميتة”.

رسالة تلخص ما فات
ثم وجد القوم بجانبها لوح كتب عليه: “بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن آدم ما أجهلك بطول الأمل وما أسهاك عن حلول الأجل، فكن على أهبة الرحيل وتزود من الدنيا فستفارقها بعد قليل”.
“أين الملوك الأكاسرة والقياصرة والعمالقة والجبابرة؟ لقد خلت منهم الديار، وفارقوا الأهل والأوطان، فهل قدّموا ليوم الميعاد واستعدوا لجواب رب العباد”.
“يا هذا إن كنت لا تعرفني فأنا أعرفك باسمي ونسبي، أنا ترمزين بنت عمالقة الملوك، ملكت ما لم يملكه أحد، فأنصفت الرعية وأعطيت ووهبت، وقد عشت زمنًا طويلًا في سرور وعيش رغيد”.
“ثم تواترت علينا سبع سنين لم ينزل الماء من السماء، ولا نبت لنا عشب على وجه الأرض، فأكلنا ما كان عندنا من القوت حتى أشرف على النفاذ”.
“ثم أتت الأقدار تباعًا فحاول قوم آخرون الإغارة علينا، فقمنا بإغلاق أبواب الحصون، فمتنا جميعًا كما ترانا وتركنا ما عمرنا وما ادخرنا، فهذا هو الخبر وما بعد العين إلا الأثر”.
فبكى الأمير موسى لما سمع هذا الكلام وقال: “والله إن التقوى هي رأس الأمور، والوعد اليقين، فطوبى لعبد ذكر ذنبه وخشى ربه وأحسن المعاملة، وقدم الزاد ليوم الميعاد”.
هنا قال شهريار: “حقًا لا بد أن تكون أخبار الأمم السالفة عبرة لمن اعتبر، وعلى الإنسان ألا يجحد بملكه، فكل من عليها فان، ولن يبقى أحد سواء كان صغيرًا أو كبيرًا أو ذكرًا أو أنثى”.
فقالت شهرزاد: “نعم لا بد ألا يغتر الإنسان بشيء من الدنيا وحطامها”.
وتدور اليالي الألف
استمرت الحال على نفس المنوال، شهريار كل يوم يحكم ويعزل ويولي.
ثم يعود في المساء لشهرزاد يسمع أغرب الحكايات، ومع مرور الأيام أنجبت شهرزاد للملك شهريار ثلاثة أبناء.
وأدرك شهريار أن الخيانة ليست طبعًا سائدًا في النساء كما كان يعتقد، فأفاق من غفلته وتراجع عن الخطأ الذي كان يرتكبه في حق بنات مملكته.
وعاد مرة أخرى يحكم بعدل وإنصاف، وعاش مع شهرزاد حياة تملؤها السعادة والهناء.

التعليقات