الزمان: أول اكتشاف عام 2011
المكان: بحيرة الناطرون بشمال تنزانيا
أسبق لك أن شاهدت بحيرة ذات لون أحمر زاهي، إنه جمال خلاب يجعلك تنجذب إليه ببطء وتنسى ما حولك.
ولكن احذر فهو جمال خداع، في لحظة واحدة بإمكانك أن تتحول إلى تمثال مجسد لمعالم الموت.
إنها «ميدوزا» هذا العصر تجذبك لسحرها وسرعان ما تدرك أنك قابع في الهاوية، هذه البحيرة التي تحفظ سر تحنيط الفراعنة.
استطاعت أن تخلق تمثال من حيوانات مسكينة لم تكن تدري ما الذي ينتظرها..

الجمال الخداع.. ليس كل ما يلمع ذهبًا
بحيرة تقع في شمال تنزانيا بالقرب من الحدود الكينية في شرق افريقيا.
استطاعت أن تجذب الأنظار إليها ليتسأل الجميع كيف يظهر على سطحها أجساد محنطة لطيور وحيوانات تقذف الرعب في نفوس البشر؟
مبدئيًا لنعد للوراء قليلًا ونتسأل -من باب أولى- كيف ظهرت هذه البحيرة؟

بحيرة اللون الوردي الكوكتيل القاتل
في القديم كان هنالك بركان يسمى “أولدوينيو لنغاي”، كان هذا البركان فريد من نوعه.
فلم تكن حممه برتقالية أو حمراء دامية كغيره من البراكين، كذلك لم تكن شديدة السخونة.
وإذا وقفت ونظرت من فوهة ذلك البركان ستجد صخور سوداء عنيفة تحوي عنصر البوتاسيوم المنصهر وكربونات الصوديوم -أضف لقاموسك أن هذه المكونات تدخل في صناعة مواد المنظفات- التي سرعان ما تجدها تذوب في مياه بحيرة النطرون.

على الجانب الآخر يقع نهر “ايواسو نغيرو” الجنوبي الذي ينبع من كينيا.
ويعد الأساس في تغذية بحيرتنا بالماء، -كذلك لا ينسب الدور له فقط- هناك الينابيع الساخنة الغنية بالمعادن وخاصة ملح النطرون الذي استمدت منه بحيرتنا اسمها.

أعتقد الآن أن الصورة اتضحت أمام ناظريك..
بحيرة تحتوي على رماد بركاني مستمد من وادي الصدع العظيم “الاخدود الافريقي” + أملاح كربونات الصوديوم والبوتاسيوم + كمية هائلة من ملح النطرون + كمية من المعادن لا بأس بها + درجة حرارة مرتفعة فوق 40° من الينابيع الساخنة قد تصل في الصيف إلى 60°= كوكتيل بحيرة سُمية قاتلة.

اللون القرمزي صبغة الطبيعية الحية
لعلك الآن كيف اكتسبت البحيرة اللون الوردي أو القرمزي؟
هذه البحيرة التي يغلب عليها اللون الدموي سببته مجموعة من البكتريا التي تعيش في الأوساط القلوية والمالحة تسمى “الهالواركيا”.
وهي كائنات مجهرية تُلبس البحيرة اللون الأحمر؛ فتنشط كلما زادت الحموضة والحرارة والمعادن وتنتج المزيد من الأحماض.
وهكذا تُعاد الكرة ولا نخرج من تلك الدائرة.

هنا يكمن سر التحنيط على مدى العصور
لقد شاهدنا جميعًا الجثث الفرعونية أثناء نقلها في موكب المومياوات الملكية، والجميع يعرف قدرة الفراعنة الفائقة على تحنيط الموتي.
تلك القدرة ظهرت بشكل غريب في بحيرة الناطرون، التي حولت كل من أقترب منها لتماثيل محنطة.

فهي تتميز بمياه قلوية قوية ودرجة حموضة تصل إلى 10.5 -على الرغم من كون المعدل الطبيعي 7 من 14 درجة- مما يعادل قلوية الأمونيا الصافية القادرة على كي الجلد.
ولذلك تعتبر مادة كاوية يمكن أن تحرق جلود الحيوانات والطيور التي يقودها حظها العاثر لهذه البحيرة.
كما أنها غنية برواسب كربونات الصوديوم التي كانت تستخدم في التحنيط المصري.
أضف لذلك أحتوائها على نسبة عالية من الملح، وتلك الرواسب كفيلة بجعل أي طائر ينزل إلى المياه أو يشرب منها يتحنط فورًا.

بالإضافة إلى ذلك معدل المعادن في البحيرة عالي جدًا، لدرجة أن ملمس المياه يكون ثقيلًا .
هذا إلى جانب كونها مالحة للغاية؛ مما قد يكون سامًا لكثير من الحيوانات ولكن بالرغم من ذلك اكتشف العلماء أن البحيرة ليست السبب الرئيسي في نفوق الحيوانات.
إلا أنها تخلق من جثثها تماثيل عائمة على لوحة حمراء.

مغامرة استكشافية أدت إلى اكتشاف عظيم
في عام 2011 كان مصور الحياة البرية البريطاني “نيك براندت” في إحدى جولاته الاستكشافية في شمال تنزانيا.
واكتشف هذه البحيرة عن طريق الصدفة، في بادئ الأمر ظن أنها بحيرة عادية بلونها الوردي الجميل.
ولكنه بعد وقت قصير من تفحصها رأي الموت في تلك التماثيل مجسمات لطيور وحيوانات، ما رآه كان بمثابة كنز لمصور حياة طبيعية.
لذا التقط عندها صورا لهذه الكائنات رآها العالم بأكمله في ما بعد..

اكتشف المصور “نيك براندت” الطيور والخفافيش وغيرها من الحيوانات التى جرفتها الأمواج على طول الشاطئ في البحيرة فقال:
“لا يسعني إلا أن أخذ صورة فوتوغرافية لهم”.

وأضاف متابعًا: “لا أحد يعرف بالضبط كيف تموت الحيوانات، لكن على ما يبدو أن طبيعة سطح البحيرة العاكس بشدة قد أربك هذه الحيوانات؛ مما جعلها تندفع بالخطأ باتجاه البحيرة”.

أخذ براندت الجثث المتكلسة و جعلهم في موضع مناسب قبل التقاط الصور لهم، حيث قال:
“أخذت تلك المخلوقات كما وجدتها على الشاطئ ثم وضعتها في مواضع حية للتصوير؛ فبدت كما لو كانت على قيد الحياة”.

وأكمل قائلًا: “كأنها على قيد الحياة مرة أخرى في الموت”.
على الرغم من كثرة عيوبه.. هناك من يعتز به وطنًا
هذه البحيرة ليست قاتلة على الدوام، فعلى الرغم من تلك الكوارث التي قد تسببها، إلا أن هناك نوع من الأسماك يسمى “التيلابيا” يعيش بها.

بحيرة الناطرون تحنط كل من يمر عليها
كما أنها تعد بيئة مناسبة لحياة طائر النحام القزم “الفلامنجو”.
هل تذكر ذلك الطائر الوردي الذي يشبه البجع الذي كنت تراه في حديقة الحيوان.
إنه هو الفلامنجو قاطن بحيرة اللون الوردي الذي يهاجر إليها في أسراب للتزواج والتغذي على الطحالب الموجودة على سطح ماء البحيرة.
فيهاجر إليها 2 مليون طائر فلامنجو سنويًا في موسم جفافها حيث تكون عبارة عن جزر صغيرة؛ ليبني عشه ويضع بيوضه الأولى.

لقد خُلق هذا الطائر ليتأقلم مع هذه البيئة، فبفضل جلده الصلب والحراشف على ساقيه لا يمكن للماء حرقه، كما أنه يمتلك غدد خاصة في الرأس تُزيل الملح ليتصرف عبر فتحة الأنف.

أكنت تعلم أنه يكتسب لونه الوردي من تلك البحيرة؟ إنه بفضل تلك البكتيريا التي تختلط بالطحالب، ويعتمد عليها هذا الطائر كغداء أساسي لذلك يتناولها بكميات كبيرة؛ فتصبغ لونه من أبيض لوردي.

كما أن الأمر لا يقتصر على تلك الكائنات فحسب، فهذه البحيرة تعد مزار يمر به السياح خلال رحلاتهم.
ليرونها تجذب ملايين الطيور في مشهد فريد بين التماثيل والكائنات الحية، كما يوجد عدد من المخيمات بالقرب من البحيرة.
إذ تعتبر أيضًا قاعدة لتسلق جبل أولدوينيو لنغاي.
بحيرة النطرون تحنط كل من يمر عليها

التعليقات