الأشكناز والسفارديم.. صراع المجتمع الداخلي الإسرائيلي المهلهل
الأشكناز والسفارديم

الزمان: نهاية الألفية الأولى
المكان: الإمبراطورية الرومانية

كتبت: إسراء إبراهيم

الأشكناز والسفارديم.. رغم قيام دولة إسرائيل على احتلال الأراضي الفسلطينية، وبناء قوة عسكرية ضخمة، إلا أن المشكلة في الناحية الأجتماعية ظلت أحد أكبر المشاكل التي تواجهها إسرائيل.

فقد شهد المجتمع الإسرائيلي انقسامات داخلية عديدة نتيجة هيكله غير المُتجانس والمتناسق لتعدد الأقليات فيه.

يهود الأشكناز “الغربيين”

“أشكناز” هو اسم ذكر في التوراة، وكان يستخدم عند الأدباء اليهود للإشارة إلى ألمانيا، وبالأخص المنطقة الواقعة على نهر الراين.

لذلك أطلق على يهود ألمانيا اسم أشكنازيين، وجرى التوسع في استعمالها مؤخرًا للإشارة إلى يهود أوروبا الشرقية والوسطى والغربية ما عدا يهود البلقان الذين كانوا من السفاراديين.

يتميز اليهود الأشكناز بالتكلم بلغة “ييديش” التي تطورت من لهجة ألمانية قديمة متأثرة بلغة العبرية واللغات السلافية.

وقد انخفض عدد الناطقين بلغة “يديش” بعد الحرب العامية الثانية حيث يتكلم أغلبية اليهود الأشكناز اليوم بالعبرية (خاصة في إسرائيل) أو بالإنجليزية (في الولايات المتحدة).

الأشكناز والسفارديم
يهود الأشكناز

ويعتبر الأشكناز هم غالبية اليهود المعاصرين، المنحدرين من سلالة تركية -تترية- تحولت إلى اليهودية في القرن 8م.

وازدهرت جاليات اشكنازية ابتداءً من النصف الثاني من القرن 19 وحتى الحرب العالمية الثانية.

حيث شهدت هذه الجاليات زيادة طبيعية وأيضًا تقدم ملحوظ في الأنشطة الثقافية والاقتصادية.

وتأثر اليهود الاشكناز بالمذاهب الفكرية السياسية والعلمانية التي اجتاحت القارة الأوروبية قبل الثورة الفرنسية وبعدها.

الأشكناز والسفارديم.. تأثير انضمام الجماعات الأشكنازية على المجتمع اليهودي

وكان لانضمام جماعات من اليهود، من مفكرين وأصحاب أفكار سياسية مساهمة كبيرة في التأثير على المجتمع اليهودي في أوروبا وبالتالي في الولايات المتحدة، التي جذبت آلالاف من المهاجرين اليهود الاشكناز.

وتعرضت اليهودية الاشكنازية إلى كارثة كبرى بسبب المحرقة التي نفذتها النازية عشية وخلال الحرب العالمية الثانية.

وانخفض عدد الجاليات اليهودية الاشكنازية في المدن الأوروبية الكبرى بسبب المجازر التي تعرضوا لها، وهاجر عشرات الآلاف منهم إلى فلسطين قبل إقامة الكيان الصهيوني وبعده.

الأشكناز هم المتحكم الأول بالمجتمع اليهودي

وما زال الأشكناز عماد أجهزة الحكم والإدارة والاقتصاد في إسرائيل.

فمن جهة أولى هم مؤسسو الدولة وقيادتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية، ومن جهة أخرى هم أصحاب الأملاك والعقارات ورأس المال.

لهذا فإن القرار السياسي ما زال بيدهم رغم ارتفاع الأصوات السفارادية (اليهود الشرقيين) المطالبة بالمساواة والعدالة الاجتماعية.

توزيع اليهود الأشكناز

ويتوزع اليهود الأشكناز سياسيًا بين تيارين مركزيين:

1- الأحزاب المتدينة كحزب المتدينين الوطنيين (المفدال) أو المتزمتة (الحريديم).

2- الأحزاب الإسرائيلية المختلفة ذات الصبغة العلمانية.

يهود السفاراديم “الشرقيين”

اليهود السفارديم هم الذين تعود أصولهم الأولى ليهود أيبيريا (إسبانيا و‌البرتغال) الذين طردوا منها في القرن 15، وتفرقوا في شمال أفريقيا وآسيا الصغرى والشام.

وكثير منهم كانوا من رعايا الدولة العثمانية في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرتها.

وكانت لهم لغة خاصة هي لادينو وكانت هذه اللغة مزيجًا من اللغة اللاتينية وتشتمل على بعض كلمات عبرية.

الأشكناز والسفارديم
يهود السفارديم

ولكنهم تحدثوا بلغات البلاد التي استوطنوها، مثل العربية والتركية والإيطالية.

ويتوسع نطاق ديانة السفارديم ليشمل جميع اليهود من أصول عثمانية أو أصول آسيوية أو الذين ينتمون إلى شمال أفريقيا، سواء كان لديهم أي ارتباط تاريخي بأسبانيا أم لا.

يهود السفارديم الحريديم

هم من اليهود السفارديون واليهود المزراحيون الذين يعود نسبهم إلى أتباع اليهودية الحريدية، السفارديم الحريديم يشكلون اليوم تيار كبير من اليهودية الحريدية، جنبًا إلى جنب مع حركة الحاسيديم.

الأغلبية الساحقة من السفارديم الحريديم يقيمون في إسرائيل، على الرغم من أن هناك عدم اتساق في العديد من الإحصاءات المتعلقة بالحريديم في إسرائيل.

ويعتقد أن نحو 20% من سكان إسرائيل الحريديم هي السفارديم الحريديم.

اختلافات يهود السفارديم الحريديم عن أقرانهم اليهود أشكناز

مثل عامل التفريق المركزي هو أن السفارديم الحريديم يتبعون أحكام وأعراف أحبارهم، والتي تعود بجذورها في تقاليد اليهود سابقًا من العالم الإسلامي.

توجد اختلافات أخرى بشأن قضايا أخرى مثل الولاء السياسي.

الأشكناز والسفارديم.. العوامل التي ساهمت في التفكك الاجتماعي والسياسي داخل إسرائيل

هناك عوامل ذاتية تعود إلى أصل اليهود كمجتمعات غير قابلة للاندماج وغير قادرة على الانصهار بين مكوّناتها المختلفة.

فضلًا عن فشلها في الاندماج مع الآخر، وهو ما أثبتته التجارب التي مرّ بها اليهود عبر التاريخ.

كما ساهمت الدوافع الشخصية لبيبي نتنياهو في تأجيج الصراع، فهو لا يريد أن ينهي حياته السياسية في السجن، ويريد أن ينتقم من المنظومة القضائية المحسوبة تاريخيًا على اليسار.

ويريد أن يحافظ على ائتلافه الحاكم بصرف النظر عن المخاطر والمآلات حتى لو أضرت بالكيان داخليًا وخارجيًا.

وعلى الرغم من العوامل الشخصية لنتنياهو ووزراء حكومته، فإن جذور الأزمة الحالية أصلها اجتماعي نشأ بالأساس بين الكتلتين الرئيستين، اليهود الأشكناز الغربيين والسفارديم الشرقيين.

الصراع التاريخي الممتد بين الأشكناز والسفارديم

وما يظهر اليوم ما هو إلا انعكاس للصراع التاريخي الممتد بينهما منذ احتلال فلسطين، ورغبة اليهود السفارديم في حسم الصراع لصالحهم.

وتصحيح ما رأوه من ظلم وتهميش واحتقار تعرضوا له من خصومهم الأشكناز الذين استولوا على الكيان منذ النشأة وشكّلوه حسب توجهاتهم ومصالحهم.

وهي رغبة مدفوعة بالانتقام لتلك المرحلة، حتى يتمكنوا من تحقيق أهدافهم، التي تتلخص في السيطرة على السلطة القضائية كآخر معقل للأشكناز بعد أن سيطروا على السلطتين التشريعية والتنفيذية.

سيطرة اليهود الأشكناز على مقاليد الكيان الصهيوني

سيطر اليهود الأشكناز على مقاليد الكيان عند نشأته، فرضت واقع طبقي مكّن تلك الفئات من السيطرة على الحكم، ومناقبه، وامتيازاته السياسية والاقتصادية.

في إطار منظومة عسكرية وقضائية وإعلامية وثقافية تحافظ على تلك الامتيازات، إلى جانب تحالفها التقليدي مع القيم الغربية الليبرالية.

ساهم اليهود الأشكناز الذين هاجروا من الدول الغربية إلى فلسطين في تأسيس الكيان وشاركوا في الحروب كافة، ولديهم القناعة بأنهم هم من صنع الكيان وحوّله إلى “دولة ديموقراطية” قوية عسكريًا واقتصاديًا، و أن الحريديم عالة على الكيان.

الأشكناز والسفارديم.. أبرز عوامل الصراع الاجتماعي و السياسي الداخلي للكيان

يعود الى الصراع التاريخي بين اليهود الأشكناز واليهود السفارديم، ذلك أن الأشكناز المؤسسين للكيان اهتموا بهجرة يهود الغرب، بينما اضطروا إلى استيراد اليهود الشرقيين (السفارديم) باعتبارهم مجرد موارد بشرية، مع العمل على إعادة تأهيلهم ليناسبوا اليهود الأشكناز.

وتم إخضاعهم لبرامج تعليمية وتأهيلية معينة، بغرض التخلص من الهوية الشرقية التي غلبت عليهم.

ومنذ نكبة عام 1948 ومجتمع الكيان يعاني من العنصرية الحادة بين الأشكناز والسفارديم.

فبينما كان الأشكناز أفضل تعليمًا وأكثر رفاهية كان السفارديم، الأقل تعليمًا وثراءً.

الأشكناز تشكل أغلبية المجتمع الإسرائيلي

كان لاستحواذ الأشكناز على المواقع السياسية والعسكرية والاقتصادية أثر سلبي على السفارديم حيث اقتنعوا بأن الكيان من حق الأشكناز فقط، وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

حتى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، وقبل موجات الهجرة الجماعية إلى أرض فلسطين، كان أغلب المهاجرين اليهود إلى فلسطين من السفارديم، الذين هاجروا لأسباب دينية، وعدد قليل للغاية من اليهود الأشكناز.

حتى بدأت موجات الهجرة الأشكنازية إلى فلسطين عام 1882، بدوافع استيطانية صهيونية.

نتيجة الهجرات الأشكنازية إلى فلسطين، زادت أعداد الأشكناز في مقابل السفارديم، كما زادت الفوارق الطبقية لصالح رؤوس الأموال الأشكنازية.

فكر الهيمنة الأشكنازية على الكيان الصهيوني

إنّ فكر الهيمنة الأشكنازية نابع بالأساس من فكر الأب الروحي للكيان وقائده الأشكنازي الأول ديفيد بن غوريون، الذي أنشأ النقابات العمالية (الهستدروت).

بالإضافة إلى تأسيسه حزب “ماباي، والذي تمكن من خلاله من بسط سيطرته الأشكنازية على اليهود، وتحييد كل القوى اليهودية الأخرى.

لم يرغب “بن غوريون” في هجرة اليهود السفارديم، لكن افتقار العنصر البشري اللازم لقيام الكيان.

اضطره إلى قبول هجرة الشرقيين، بهدف خدمة أسيادهم الأشكناز، وظهر ذلك عندما مُنِح اليهود الشرقيون الأراضي الهامشية المعزولة.

بينما منح المهاجرون الأشكناز الأراضي الخصبة، كما خُصصت أسوأ المساكن للسفارديم.

استمر التمييز بين الفئتين حتى الوقت الراهن، إذ يسيطر الأشكناز على الأحياء الراقية المتمتعة بالثراء في منطقة المركز في “تل أبيب”، في حين يستقر السفارديم في الأطراف في الأحياء الجنوبية الفقيرة والمهمشة.

الأشكناز والسفارديم.. مفارقات تغير ميزان القوى

من المفارقات التي تعكس تغير موازين القوى داخل الكيان اندلاع الاحتجاجات الأشكنازية منذ نحو 30 أسبوعًا بمشاركة مئات الآلاف.

بسبب الخشية من المس بمصالحهم التي توارثوها منذ نشأة الكيان.

بعد أن اعتاد الكيان على خروج التظاهرات الصاخبة من اليهود السفارديم حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي.

ففي عام 1949 اندلعت احتجاجات عارمة من اليهود السفارديم، احتجاجًا على الظروف السائدة في معسكرات التأهيل التي سكنوها عقب هجرتهم إلى فلسطين.

ورفضًا للمناهج العلمانية ومنعهم من التعليم الديني.

وبدأ السفارديم الاعتراض على سياسات الأشكناز العنصرية تجاههم.

كما اندلعت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تظاهرات أخرى لأسباب اجتماعية واقتصادية، واتسمت مواقف السفارديم واحتجاجاتهم في السبعينيات بثقةٍ أكبر.

بسبب مشاركتهم في حرب يونيو 1967، بعدما كان الأشكناز يمنّون عليهم بدورهم في نكبة 1948، التي كانت خالصة للأشكناز، لكن مطالبهم تم تهميشها.

لتخرج أكبر تظاهرة من شباب السفارديم عرفها الكيان عام 1971، منددين بقوة بـ”الدولة” الأشكنازية وإعلامها و”جيشها” وأحزابها، بينما وصفتهم رئيسة حكومة العدو الأشكنازية غولدا مائير بالأولاد المشاغبين.

وتغلغل الانقسام ليصل إلى المؤسسات كافة بما فيها “الجيش” الذي لم يعد “جيش” الشعب.

الأمر الذي وضع الكيان أمام مستقبل مجهول، لن يعود فيه كما كان.

فالانقسام يتصاعد ومظاهره تتسع، ففي نهاية المطاف لن ينتصر طرف على طرف فهما سيخسران.

وما زال اليهود الأشكناز مسيطرين على القيادة العامة في الكيان واليهود السفارديم أدوارهم معدودة في أعمال الكيان.

وكل ذلك يشير إلى كارثة ستحل بالكيان العبري من انقسامات داخليه تهدده بالانهيار.

التعليقات