سلوكيات سيئة وتدهور أخلاقي
الشيخ أحمد علي تركي

بقلم الشيخ/ أحمد على تركى

حين يذكر الصالحون مواقف سيئة بدأت تنتشر في المجتمع بشكل متطور .

يسأل بعضهم :
هل البلد كلّها كذلك؟

هل هذه المواقف كثيرة جداً، أم أنّها محدودة؟

هل هذا شيء يصدّق .

هل أنت صادق فيما تقول؟

وعلى هذا عدّة أجوبة :

1. من يُريد إزالة الفساد حين يراه يتطور ويستفحل بل يستشري بشكل واسع ؛ فإنّه ين أنّ عدم الحديث عنه مطلقاً تحجيم لشأنه ؛ وهذا غلط .

فمن الفساد ما لا ينبغي التنبيه عليه ؛ ومنه إذا ما انتفش وكثرت طُغمته فلابد من كلمةٍ تُظهر خطر وجوده .

وعلى مرّ التاريخ فإنّ أهل العلم الذين يرتبطون بالواقع هم أكثر الناس حِرصاً على معالجة الشر قبل استفحاله ؛ ولا يكون ذلك إلاّ بذكر نماذج كثيرة استرعت انتباههم أو وقفوا عليها ؛ وهم في هذا كمن يرى خرقاً صغيراً في السفينة ؛ فيُحاولون التنادي فيما بينهم والتداعي لئلا يتسع الخرق على الراقع ، ويتسع الفتق على الراتق ؛ وحينها يشمل هذا الانحراف المجتمع بشكل واسع ويلمسه الصغير والكبير.

2. ضرب جرس الإنذار ، والقيام بدق طبول الآذان ؛ هو ما يجعل أغلب العلماء المرتبطين بواقعهم ينبّهون عليه ؛ وقد يجدوا كثيراً من الناس يناوئهم ؛ ويُكذّبهم ؛ ويُذلّلهم ويسخر منهم ؛ غير أنّ حماية المستقبل يكون بتنظيف الحاضر من الشر وأهله ؛ وتحذير أهل الخير من غفلتهم وقت أن ينشط غيرهم لمنع الخير؛ والتهوين منه ، بل الضغط على العوائل والأسرة المجتمعية لئلا تلتصق بكل محافل الخير ؛ لهذا قد لا يحفل الخامل أو الجاهل بما يدور بواقعه بصيحة النذير وصرخة النفير ؛ لأنّه لا يرى أمامه شيئاً ؛ فيما غيره يرى ويُبصر ويُلامس ما لم يُلامسه غيره ؛ والفتن إذا أقبلت ما عرفها إلاّ أهل العلم فإذا أدبرت عرفها الجاهل وغيره.

3. نصيبُ كثير من أهل العلم البلاغ المبين، والبيان العام ، والوضوح في الطرح ؛ فهم لا يسيرون بالطريقة الدبلوماسية أو السياسية أو الصحفية ؛ بل يتحدثون بما يُرضون به ربّهم ؛ سواء وافقهم المجتمع أو خالفهم؛ لكنّ المجتمع في يوم ما إن عصى أمرهم ؛ أو كذّب مواقفهم سيرى بأم عينيه صدق ما كان يقوله العلماء المستبصرين بالواقع ، وأنّ كلمة الحق التي قيلت يوم أن سخر منها كثير من الناس ؛ أو ظن بعضهم أنّهم بالغوا فيها ؛ أو أنّهم استبقوا الحدث عنها ؛ فحينها سيدرك المجتمع لا محالة أنّ من مقتوهم وظلموهم كانوا أبصر منهم بالواقع.

4. ليس بالضرورة أن يبدأ التحذير من الشر وأهله ؛ يوم أن يفوق نسبة 50 %؛ فمجتمعاتنا ينبغي حمايتها من المفسدين حين لا يكون فيها 1% منهم ؛ بغير إشارة إليهم ولكن من قبيل ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ؛ فهل كان كل القوم يفعلون الخطأ حين كان رسول الله يستنكره…

كلا ؛ ليس الأمر كذلك ؛ بل كان يفعله قلّة قليلة؛ فحين تظهر كثير من الانحرافات يُصرّح أهل العلم والدعوة بمواقفهم في إنكار الفساد الذي تيقنوا من وجوده.

وليس من شرط بؤر الفساد أن تكون أكثرية ؛ لكن بما أنّها موجودة فيجب أن تُذكر وتُنكر ؛ لأنّها باتت ملموسة لكل عقل مستفيق ؛ أمّا من يغطّ في نوم عميق ؛ فإنّه حالما يستقيظ سيرى ما كان غافلاً عنه ولم ينتبه إليه.

5. ليست القضية الحديث عن الفساد وكشف كل خفاياه ؛ فمن الإصلاح عدم نشر أخبار الفساد؛ لأن الأهم من ذلك إزالة الفساد ، وإصلاح الواقع والعمل بالصالح العام ، فالحق أنّ ذكر الفساد فحسب يُقسّي القلب ، والحقيقة أنّ الذي يريد اقتلاع الفساد يحاول بطرق الإصلاح الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر والداعية إلى الله؛ فمنطلقاته ربانية بحتة ، لا يُراد منها نصرة حزب أو تنظيم ، ولا جماعة أو فئة ؛ بل القصد وجه الله، ومن ثمّ صلاح الأوطان، ونشر كل ما يدعوى لمرابع الأمن والسلام والصلاح خلافاً لنقائض ذلك..

ويرحم الله محمود الوراق القائل :

رأيت صلاح المرء يُصلح أهله

ويُعديهم داءَ الفساد إذا فسد

التعليقات