بقلم/الدكتور عطية لاشين
“لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الأسد”
سبب توقفنا مع هذا الحديث هو دخول شهر صفر على الأمة الإسلامية. وهذا الحديث صحيح، أوردته كثير من كتب السنة، وعلى الوجه الأخص الشيخين: البخاري ومسلم. حيث أورده الإمام مسلم في صحيح بشرح الإمام النووي، كتاب السلام، باب: لا عدوى ولا طيرة (١٤/٣٧٧، برقم ٢٢٢٠).
وهذا الحديث يبدو من ظاهره التعارض؛ حيث نفى العدوى في أوله حينما قال: “لا عدوى”، وأثبتها في آخره حينما قال: “وفر من المجذوم فرارك من الأسد”. ونريد خلال هذه الوقفة مع هذا الحديث الشريف أن نوفق بين نفي العدوى في أوله وبين إثباتها في آخره.
فنقول وبالله التوفيق:
إخبارات النبي صلى الله عليه وسلم نوعان:
1) ما يخبر به عن الوحي، فهذا خبر مطابق لمخبره من جميع الوجوه، وهو الخبر المعصوم الذي لا يتطرق إليه شك أبداً، ولا يعارضه شيء.
2) ما يخبر به عن ظنه من أمور الدنيا التي ربما يكون غيره أعلم بها منه وأخبر، فهذا دون الخبر الأول المعصوم الصادق المصدق.
ومن هذا النوع، أي النوع الثاني من الإخبارات، حينما سمع صلى الله عليه وسلم أصواتهم في النخيل يؤبرونها –أي يلقحونها-، قال: “ما هذا؟”، فأخبروه بأنهم يلقحون النخيل، فقال صلى الله عليه وسلم: “ما أرى، لو تركتموه لم يضر شيئا”، فتركوه، فجاء شيصاً –أي غير صالح للأكل-، فقال صلى الله عليه وسلم: “إنما أخبرتكم عن ظني، وأنتم أعلم بأمور دنياكم، ولكن ما أخبرتكم به عن الله –أي فخذوه-“. فما كان من الإخبارات خاضعاً للعلوم والابتكارات، وكان خاضعاً للهندسة والصناعات والفلاحة وعمارة الأرض، وكان مما ينال بالتجربة والتعلم، والتفكر، والطرق التي يسلكها الناس، لكانوا أولى بها منه صلى الله عليه وسلم.
وبإسقاط ما تقدم على قوله صلى الله عليه وسلم على قوله “لا عدوى”، فيكون هذا من قبيل الإخبار عن ظنه، كإخباره عن عدم تأبير النخل، لأن كل الأمرين من أمور الدنيا، وليسا مما يتعلق بهما حكم من الشرع. فيكون الإخبار بهما ليس كالإخبار عن الله سبحانه وصفاته وأسمائه وأحكامه. ولذلك لما تبين له صلى الله عليه وسلم من أمر الدنيا الذي أجرى الله سبحانه عادته به ارتباط هذه الأسباب بعضها ببعض: أي كالتلقيح في صلاح الثمار، وتأثر إيراد الممرض على المصح بالعدوى، أقرهم على تأبير النخل، ونهاهم أن يورد ممرض على مصح. وبذلك ينتقي التناقض والتضارب عن إخباراته صلى الله عليه وسلم.
اختيار ابن القيم:
قال ابن القيم: “وعندي في الحديثين مسلك آخر يتضمن إثبات الأسباب والحكم، ونفي ما كانوا عليه من اعتقاد الشرك واعتقاد الباطل، ويكون النفي والإثبات واقعين كل على وجهه”.
فإن العوام كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من الشرك الباطل كما يقوله المنجمون من تأثير الكواكب في هذا العالم، ونظير ذلك حينما كانوا يقول: مطرنا بنوء –أي نجم من النجوم- كذا، فعد الإسلام ذلك شركاً.
ولو قالوا إنهم أسباب أو أجزاء من أسباب، إذا شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته، وأنها مسخره بأمره لما خلقت له؛ ما أنكر الإسلام ذلك عليهم، كسائر الأسباب التي لا تأتي بالنتيجة بذاتها وإنما تأتي بها بأمر الله.
وقد تداوى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بالتداوي، وأخبر أنه ما أنزل الله داءا إلا وأنزل له دواءا.
وهكذا، فإن تعطيل الأسباب وعدم تعاطيها؛ تعطيل للشرع ومصالح الدنيا. والاعتماد عليها –أي الأسباب- والركون إليها من دون الله؛ شرك بالخالق عز وجل.”
والخلاصة في هذا أن أنواع الناس بالنسبة للأسباب ونتائجها ثلاثة أنواع:
ا) تجريد التوحيد وإثبات الأسباب، وهذا الذي جاءت به الشرائع كلها.
ب) الشرك في الأسباب بالمعبود، كما هو حال المشركين على اختلاف أصنافهم.
ج) إنكار الأسباب بالكلية محافظة من منكرها على التوحيد، وهذا أضر نفسه من حيث أراد النفع.
فالمنحرفون طرفان مذمومان: إما قادح في التوحيد بالأسباب، وإما منكر للأسباب بالتوحيد. والحق غير ذلك، وهو إثبات التوحيد والأسباب، وربط أحدهما بالآخر. وبهذا التفسير يزول التعارض المتوهم بين الروايات التي أثبتت العدوى، والروايات التي نفت العدوى. ليتضح أن النفي محمول على من اعتقد تأثير العدوى بنفسها دون أن ينسب ذلك إلى الله. والروايات التي أثبتت العدوى تحمل على أنها مجرد أسباب، أما النتيجة فمن صنع الله عز وجل.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: “ولا طيرة”، فمعناه إبطال ما يعتقده أهل الجاهلية من التطير بالمرئيات والمسموعات. فأثبت صلى الله عليه وسلم أن التطير شرك لأن فيه نسبة النتائج إلى غير الله. وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: “إذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: الله لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “فلا هامه”، فهو طائر يسمى البومة يزعم أهل الجاهلية أنه إذا نعق على بيت أحدهم فإنه يموت أهل البيت. فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وأخيراً، فقوله صلى الله عليه وسلم: “ولا صفر”، فهو الشهر المعروف بصفر. وكان بعض أهل الجاهلية يتشاءمون بدخوله. فأبطل النبي صلى الله عليه ذلك، وأوضح أنه كسائر الشهور ليس فيه ما يوجب التشاؤم. وقال بعض أهل الجاهلية أنها داء في البطن، يعتقدون فيها أنها تعدي، فأبطلها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم :” وفر من المجزوم فرارك من الأسد” يسير في نفس الفكرة السابقة وهي وجوب الأخذ بالأسباب وترك النتيجة لله عز وجل فإن جاءت النتيجة إيجابا فذلك من الله وليس لأنك أخذت بالأسباب ،وإن جاءت سلبا فذلك أيضا من الله إذ أن الأخذ بالسبب لا يقطع حتما بحصول النتيجة مالم يأذن بذلك الله ٠
هذه عقيدة المؤمن الذي يجب أن يتربى عليها ويعلمها غيره ولا يتعداها إلى غيرها وإلا كان إيمانه على خطر ٠
وفي سبيل وجوب الأخذ بالأسباب لتسير حركة الحياة بتقدير الله عز وجل وليس لتيسيرها بالأسباب يقول الشاعر :الإسلامي
توكل على الرحمن في الأمر كله
ولا ترغبن في العجز يوما عن الطلب
ألم تعلم ان الله قال لمريم
وهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أدلاه إليها من غير هزة
ولكن كل شئ له سبب
ولله الحمد والمنة ٠

التعليقات