من بيت المقدس إلى البيت الحرام

بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى، مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف.

 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لجبريل :

 

وددتُ أن يصرف الله وجهي عن قبلة اليهود .

 

فقال : إنما أنا عبد ؛ فادعُ ربك واسأله .

 

فجعل يقلِّب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل الله عليه :

 

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾

 

[البقرة: 144]

 

وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدَمِه المدينة .

 

عن محمد بن كعب القرظي قال :

 

ما خالف نبي نبيًّا قط في قبلة ولا في سنة،

إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا ، ثم قرأ :

 

﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾

 

[الشورى: 13].

 

الحكمة من تحويل القبلة :

 

جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حِكَم عظيمة ومنها :

 

محنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين :

 

فأما المسلمون فقالوا :

 

سمعنا وأطعنا .

 

وقالوا : ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾

 

[آل عمران: 7]

 

وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرةً عليهم .

 

وأما المشركون فقالوا :

 

كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا لأنها الحق .

 

وأما اليهود فقالوا :

 

خالف قبلة الأنبياء قبله ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء .

 

وأما المنافقون فقالوا :

 

ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقًّا فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل .

 

وكثُرت أقاويل السفهاء من الناس وكانت كما قال الله تعالى :

 

﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾

 

[البقرة: 143]

 

وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه .

 

لتحويل القبلة أبعاد كثيرة:

 

إن لتحويل القبلة أبعادًا كثيرة منها :

 

السياسي ، والعسكري ، والديني والتاريخي .

 

فبُعدها السياسي :

 

أنها جعلت الجزيرة العربية بؤرة الأحداث .

 

وبعدها التاريخي :

 

أنها ربطت هذا العالم بالإرث العربي لإبراهيم عليه الصلاة والسلام .

 

وبعدها العسكري :

 

أنها مهَّدت لفتح مكة وإنهاء الوضع الشاذ في المسجد الحرام ؛ حيث أصبح مركز التوحيد مركزًا لعبادة الأصنام .

 

وبعدها الديني :

 

أنها ربطت القلب بالحنيفية ، وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها والعبادة في الإسلام عن العبادة في بقية الأديان .

التعليقات