من لم يزرع في رجب.. ولم يسق في شعبان.. فماذا يحصد في رمضان ؟!

بقلم الأستاذ الدكتور/ عطية لاشين

أستاذ الفقه بكلية أصول الدين بالقاهرة، وعضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

نقسم حديثنا عن هذا الموضوع إلى مقدم، وعدة عناصر كما يلي:

المقدمة فضل شهر رجب 

نذكر ونحن نبين فضل شهر رجب قول الله عز وجل :(إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ) ونذكر حديث سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ألا إن الزمان استدار كهيئته السنة أثنا عشر شهر منها أربعة حرم ثلاثة سرد (أي متتابعة متوالية ) ذو القعدة ،وذو الحجة ،والمحرم وواحد فرد رجب )٠

فا لآية المباركة، والحديث الشريف يؤكد أحدهما ما جاء في الآخر ويجمعان على أن في السنة أربعة أشهر حرم ثم يعينان ويحددان ويسميان هذه الأشهر الحرم.

من بين الأشهر الأربعة الحرم كما جاء في الحديث آنفا شهر رجب الفرد ،أو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان والحرم معناها المعظمة ،ووجه تعظيمها من عدة أوجه :

  • أولا :حرمة الابتداء بالقتال فيها ،يعني لا يبدا المسلمون الكافرين بالقتال في هذه الأشهر الحرم ،فإن بدأ المسلمون بالقتال فيها أعداءهم ارتكبوا إثما، وفعلوا ذنبا ،وانتهكوا حرمات ما عظم الله ،وكأن الله يريد للعالم أجمع أن يتصالح الناس مع أنفسهم في هذه الأشهر ومع غيرهم ويأخذوا هدنة يعيشون فيها آمنين سالمين مسالمين في هدوء وأمن وطمأنينة وسلم وسلام ليتفرغ المسلمون فيها للإكثار من عبادة الواحد المعبود خالق من في الوجود.
  • ثانيا :حرم المولى عز وجل في هذه الأشهر الحرم الظلم بكافة أنواعه وجميع صوره وأشكاله ،وليس التحريم للظلم قاصرا على هذه الأشهر الأربعة الحرم ،بل هو محرم في كل وقت وحين ،وفي أي شهر من شهور العام وعلى مدار السنة كلها ،لكن يشتد التحريم للظلم ،ويتضاعف ،وتتأكد الحرمة للظلم في هذه الأشهر الأربعة ٠

والظلم الذي تأكد تحريمه، وتتضاعف إثمه، ويشتد العقاب عليه إذا حصل ظلم عام يشمل: يشمل ظلم الإنسان لنفسه أيا كان نوع الظلم الذي يظلم به الإنسان نفسه وأهمها ان يظلم نفسه بعدم عتقها من النيران ،وبعدم كونها من أهل الجنان وذلك يكون بان يهمل الإنسان التكليفات الشرعية فلا يفعل ما أمره به ،ولا ينتهي عما نهاه عنه الله ،وعدم فعله للطاعات، والإسراف في فعل المحرمات والذنوب والموبقات والمهلكات فيكون الإنسان بذلك ظالما لنفسه حينما أوردها موارد الهلكة والخسران ،وذلك محرم في أي شهر من شهور العام ،ويشتد التحريم ويعظم في شهر رجب وفي غيره من الأشهر الأخرى الحرام ٠

ومن الظلم المنهي عنه ظلم الإنسان لغيره بهمزه ولمزه، وبالوقوع في عرضة وأكل لحمه ميتا بالإضافة إلى أكل ماله بغير وجه حق وبالباطل ،وسبه وقذفه، واتهامه بما ليس فيه كل ذلك محرم في أي شهر من الشهور لكن يغلظ التحربم ويفحش ويتضاعف عليه العقاب إذا حصل في الأشهر الحرم ومنها شهر رجب٠

قال الله تعلى معظما أمر الأشهر الحرام وأن الظلم فيها مؤكد التحريم : (فلا تظلموا فيهن أنفسكم )٠

بعد هذه المقدمة تأتي عناصر الموضوع وهي كما يلي:

  • العنصر الأول

استثمار شهر رجب في فعل الخيرات والتقرب إلى الله بعمل الطاعات .

علمنا من المقدمة أن شهر رجب أحد الأشهر الحرام، فتكون الحسنة فيه مضاعفة كما أن العقاب على السيئات فيه تكون مضاعفة، وإذا كان الله عز وجل قال :(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) أياما كان الشهر الذي كسب المؤمن فيه الحسنات فإن التضعيف للحسنات أكثر من العشر يكون في شهر رجب لأنه من الأشهر الحرم ٠

فإذا كانت خطوات المسلم في أي شهر وأي يوم من أيام العام إلى بيت الله أنه لا يخطو خطوة إلى بيت الله لأداء فرائض الله رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة كما أخبر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم فإن هذه الخطوات إذا كانت في شهر رجب فإن حسناتها تتضاعف ،وأجرها يزيد وعطاؤها من الله في مزيد ٠

وإذا كان صوم يومي الاثنين والخميس في غير رجب والثلاثة أيام من كل شهر صيام اليوم منها يعدل ثواب صيام عشرة أيام لأنها من الحسنات والله قال :(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) فإن ثواب صيامها في رجب يفوق ثوابها في غيره، وهكذا اي عمل من أعمال البر وأية طاعة من الطاعات يقوم بها المسلم في رحب أو اي شهر من الأشهر الحرم لها مزيد حسنات، وكثير ثواب.

إذا كان الأمر على نحو ما تقدم أفلا يدعونا ذلك إلى تهيئة النفس لمزيد من الطاعات وكثير العبادات في شهر رجب حتى ندخل على مشارف أبواب رمضان ونفوسنا في اشتياق إليه ؟!

ومن هنا نفهم التشبيه الوارد في العنوان (رجب كالريح ) أي كالريح المرسلة التي تأتي بالخبر فيجب استثمار الخير الذي تأتي به الريح، ويأتي به شهر رجب في مزيد قرب من الله عز وجل ٠

  • العنصر الثاني 

شعبان كالغيم.

ومعنى تشبيه شعبان بالغيم أي المحملة بالمطر اىمدرار الذي يحي به الله الأرض بعد موتها ،وبعد مجيء الغيم بالمطر يتولى الإنسان أمر زرعه ،ويتعاهده حتى يؤتي أكله بإذن ربه ومعنى ذلك أن يتعاهد الإنسان الخير الذي جاء به شهر رجب فيستثمره الإنسان يتعاهد هذا الخير بالرعاية والعناية، والعناية والاستمرار عليه في شهر شعبان حتى يأتي شهر رمضان.

  • ثالثا :

رمضان كالمطر٠

أي رمضان بالنسبة للأعمال الصالحة التي تم زرعها في رجب ،وتم سقيها في شعبان ثم يأتي موسم الحصاد الذي هو رمضان، ومن ثم يأتي في ختام المقال عن طريق ربطه يالعنوان ( من لم يزرع في رجب ولم يسق في شعبان ماذا يحصد في رمضان؟!

التعليقات