بقلم/ عمرو عبدالرحيم سليمان
ماجستير في التاريخ والحضارة الإسلامية جامعة الأزهر
خرج الرسول من مكة إلى الطائف بعد وفاة عمه أبي طالب، والذي كان يمثل حاجزا بينه، وبين أذية قريش له حتى قال :” مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ” وفي هذه الفترة استخدمت قريش كل انواع التنكيل بالرسول، والصحابة من الإيذاء النفسي، والصاق التهم بالرسول من كقولهم بأنه كاهن، أو شاعر، أو ساحر، وتزعم عدد منهم أذيته كالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف والنضر بن الحارث، وعقبة بن معيط، وأمية بن خلف، وأبو جهل وغيرهم من كفار قريش وعملوا على إيذاء النبي حتى أنهم سلطوا سفهاءهم لنثر التراب على رسول الله فيذكر ابْنُ إسْحَاقَ: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ التُّرَابَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهَا “لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ”([1]) وأمام هذه الظروف أخذ الرسول يبحث عن موطن جديد للدعوة الإسلامية، فخرج الرسول ومعه مولاه زيد بن ثابت إلى الطائف، فقد كانت الطائف تمثل المدينة الثانية في جزيرة العرب بعد مكة، كما أنها كانت تنازع قريش السيادة والفخر على القبائل العربية، فأراد النبي أن يستغل هذا التنافس في دعم الدعوة الإسلامية وفتح افاق جدية ، فخرج رسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ علَيه وسلم إلى الطّائف، يلتمس النّصرة منْ ثقيف، والمنعة بهم مِنْ قومه، ورجاء أنْ يقبلوا منه ما جاءهم بِه مِنْ اللَّهِ عز وجل، فخرج أليهم وحده([2]).
ولما ذهب الرسول واجتمع مع سادة ثقيف من أبناء عبد ياليل، لم يجدهم أقل كفرا وعنادا من قريش؛ بل تغلبوا عليهم في ذلك، حتى أن هذا الموقف ظل متعلقا بذهن الرسول لسنوات حتى أن يوم أحد رغم قسوته لم يكن كمثل يوم قابل أبناء عبد ياليل، فلما جلس معهم الرسول دعاهم إلى اللهِ وكلمهم بما جاءهم له مِنْ نصرته على الإِسلامِ والقيامِ معه على مَنْ خالفه مِنْ قومه فقال: لَهُ أَحَدُهُمْ هُوَ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَ اللهُ أَرْسَلَك ; وَقَالَ الْآخَرُ أَمَا وَجَدَ اللهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَك وَقَالَ الثّالِثُ وَاَللهِ لَا أُكَلّمُك أَبَدًا. لَئِنْ كُنْت رَسُولًا مِنْ اللهِ كَمَا تَقُولُ لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدّ عَلَيْك الْكَلَامَ وَلَئِنْ كُنْت تَكْذِبُ عَلَى اللهِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلّمَك. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ([3]) كما انهم لم يكتفوا بذلك بل قاموا بحض أطفالهم، وصبيانهم ، وسفهائهم على أذية الرسول وقذفه بالحجارة حتى سال دمه الشريف من قدميه، فجلس الرسول إلى ظل بستان، وهو مهموم وأخذ يدعو ربه ويناجيه ويقول: اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟
إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي.. ولكنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بك([4])
فأرسل إليه الحق سبحانه وتعالى جبريل ومعه ملك الجبال فقال له: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ” ([5])
قد كان رسول الله قادرا على الانتقام من قريش، وثقيف بكلمة واحدة منه، لكنه لم يكن بالشخص الذي ينتقم لنفسه، فقد كان رحمة بعثه ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فما جاز لهذه للرحمة أن تنتقم رغم كل ما أحل بها من التعب، والآم، والحزن على قومه، فقد طُلب منه أن يدعو على قوم فقال : «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»([6] )ولكنه رد على جبريل برجاء من الله أن يخرج من صلب أولئك الجبابرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد استجاب الله لرجاءه فخرج من صلب أولئك الجبابرة من قاد فتوحات الإسلام، ونشره في مختلف البلاد فخرج من نسل الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، الذي استطاع أن ينجو بالجيش الإسلامي ويخرج به بأقل الخسائر الممكنة، بعد انسحابه في سرية مؤتة7هـ كما قاد فتح العراق العربي بأكمله من الحيرة، والأنبار وغيرها من المدن في عهد الخليفة أبي بكر الصديق (ت13هـ) كما قاد في الشام أكبر معركة بين الجيش الإسلامي، و الجيش البيزنطي معركة القادسية 13هـ والتي أحسن قيادتها، حتى استطاع الجيش الإسلامي تحقيق انتصار قضى به على القوة البيزنطية في الشام لم تقم لها بعدها قائمة.
كما خرج من صلبهم عمرو بن العاص، ابن العاص بن وائل، الذي طالما كاد للإسلام هو وولده، فلما أسلم عمروعمل على نصرة الإسلام كما كان يعمل على محاربته، فعمرو أحد القادة الأربعة الذين أرسلهم الخليفة أبو بكر لفتح الشام، كما استطاع عمرو فتح مصر عام 21هـ وفتح برقة، وطرابلس، كما استطاع طرد الجيش البيزنطي الذي حاول مرة أخرى معاودة احتلال مصر عام25هـ وكذلك خرج من نسل أبى جهل الذي حارب الإسلام أيما حرب، عكرمة بن أبي الذى قادة كتيبة المبايعين على الموت في معركة القادسية13هـ والتي تكونت من خمسمائة مجاهد بايعوه على الموت، وعدم الفرار من المعركة، بعد أن كاد الجيش البيزنطي أن يكسر الجيش الإسلامي، وقد كان لهذه الفرقة دور في تغير مجريات المعركة وانتصار المسلمين على الروم، وقد استشهد عكرمة ومن بايعه في هذه المعركة.
ومن أولئك الذين شملتهم دعوة الرسول الحارث بن هشام، وكان من سادة قريش، ومن مسلمة الفتح أسلم عام فتح مكة (8هـ) فلما شرح الله صدره للإسلام، وعلم فضل من سبقه للإسلام أراد أن يكون له نصيب في نصرة الإسلام، فخرج للجهاد بجبهات القتال، نصرة ودفاعا عن الإسلام، فلما أراد الخرج من مكة خرج أهلها مودعين له فقال لهم: ما بلد أحبّ إليّ من بلدكم ولا قوم أحب إلي منكم، ولكن حدث هذا الأمر فسبق إليه رجال ليسوا من أقدارنا، ولئن سبقنا عمار وبلال وصهيب إلى الإسلام فلن يسبقونا إلى الجنة، وأنا حبيس في سبيل الله ما حييت. فكان منه ومن عكرمة ابن أخيه وغيرهما من بني مخزوم وهم كانوا أعداء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومن مسلمة الفتح من الجهاد في سبيل الله وفي قتال المرتدين بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى ردوهم إلى دين الإسلام، ومن جهاد الفرس والروم، ومن الصبر على تلك الشدائد([7]).
ومنهم أيضا عياس بن أبي ربيعة الذي أسلم عام الفتح ولقى ربه شهيدا مع أصحابه بعد أن هجروا الأوطان، وفارقوا الأهلين، ورفضوا الأموال، وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة، فكانت قصة شهادتهم في معركة القادسية 13هـ شاهدة على مدى حبهم للإسلام، ودفاعهم عنه، فبعد أن أصابتهم السيوف، وأثخنتهم الجروح، وأوشكت الروح أن تخرج، أجلسوهم بجوار بعضهم البعض، وقد عطشوا من حر السلاح، فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث: اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا فلم يصل إلى أحد منهم حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحرّ الحديد، فكيف يتوهم على هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم أباهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة وعلى جميع أعدائه صلّى الله عليه وسلم، ومثلهم سهيل بن عمرو، والمهاجر بن أبي أمية، وعتاب بن أسيد، وجبير ابن مطعم، فهؤلاء من ردّ الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ورجال أسد وغطفان([8]) وهؤلاء جميعا قد أصابهم رجاء رسول الله من ربه فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
[1] -ابن هشام السيرة النبوية جـ1 صـ416
[2] -ابن هشام: السيرة النبوية جـ1 صـ419
[3] السهيلي: الروض الأنف جـ4 صـ23
[4] -البيهقي: دلائل النبوة جـ 1 صـ67
[5] -البخاري : صحيح البخاري جــ4 صـ115
[6] -مسلم بن محمد: صحيح مسلم جـ 4 صـ 2006
[7] – القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة جـ2 صـ481
[8] -القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة جـ2 صـ588

التعليقات