الزمان: العصر الفرعوني
المكان: مصر القديمة
نهر النيل العظيم مصدر الحياة في مصر القديمة، الذي أقام له الفراعنة عيدًا في 15 أغسطس من كل عام-عيد وفاء النيل حاليًا-، لتبدأ القصص والأساطير تدور حوله وعن “عروس النيل” التي تُلقى كقربان ليرضى ويفيض بالماء الوفير، فما أصل هذه الحكاية؟ وهل حقًا قام الفراعنة بتقديم تضحيات بشرية من أجمل نساء المدينة، أم أن الموضوع لم يخرج عن كونه محض أسطورة؟

مصر هبة النيل.. مكانة لم يسبق لها مثيل
عروس النيل.. يزخر التاريخ المصري القديم بالعديد من المقدسات والرموز، فنجد الفراعنة يقدسون “الشمس” التي يعبر عنها الإله رع -حسب المعتقدات القديمة-، كذلك نراهم يقدسون كثير من الحيوانات ويصنعون لها التماثيل مثل “تمثال أبو الهول” -إنسان بجسد أسد- “تمثال الإله حورس” -تمثال برأس صقر-، وغيرها الكثير والتي تم تدوينها كنقوش على جدران المعابد، ومن أهم هذه المقدسات نهر النيل العظيم الذي كان له دور عظيم في تشكيل تاريخ مصر وثقافتها عبر العصور.

عروس النيل.. لم ينظر المصريون لنهر النيل بإعتباره مصدرًا للشرب فحسب، فقد كانوا ينتفعون بكل ما يقدمه النيل لهم، على سبيل المثال “الطمي” الذي لعب دورًا كبيرًا في عملية الزراعة، وإقامة المباني الأثرية المشيدة كالأهرامات الثلاث فقد كان المصريون القدماء ينقلون أحجار الأهرامات عن طريق نهر النيل، كذلك البرديات التي استعملها الفراعنة كانت مصنوعة من القصب الذي ينمو على ضفاف النهر.

لذا قدس المصريون القدماء النيل واعتبروه هبة الآلهة، فهو الذي يمثل -في ديانتهم- الإله “حابي” سيد النهر وجالب الخير والسعادة، ومن هنا خصص له المصريون القدماء الاحتفالات والأعياد ومن أهمها “عيد وفاء النيل”.

عروس النيل.. زوجة الآله حابي
تحكي الأسطورة بأن الآله “حابي” سيد نهر النيل كان آله متقلب المزاج، أحيانًا يجعل منسوب النيل يفيض فتغرق الأراضي الزراعية، أو يجعله جافًا فتتصحر الأراضي، وفي أحيان أخرى يأت النيل بمنسوب معتدل ومناسب؛ لهذا كان المصريون القدماء يقدمون القرابين في عيد وفاء النيل حتى يسترضوا الآله حابي، ومن هنا جاءت فكرة “عروس النيل” فقد فكر المصريون بطريقة لإرضاء الآله حابي حتى يبقى النيل بمنسوب مناسب للشرب والزراعة؛ لذا توصلوا إلى فكرة إلقاء فتاة عذراء جميلة في نهر النيل يوم 15 أغسطس من كل عام، تكون قربانًا واسترضاء للآله.

فكانت الفتيات الجميلات يأتين من كل أنحاء مصر ليختار الكاهن منهن واحدة لتكون “عروس النيل“، ثم يقمن بتزيينها بأبهى الملابس والحلي وإلقائها في نهر النيل؛ لتكون عروسًا يتزوجها الآله “حابي” في الحياة الأخرى.

وجرت العادة هكذا كل عام حتى أصبح عدد الفتيات يقل، وفي إحدى السنوات عندما اقترب مجيء عيد وفاء النيل لم يكن يوجد أية فتاة تقدم كعروس للنيل عدا فتاة واحدة والتي كانت ابنة ملك البلاد، فلم يجد المصريون حلًا سوى تقديمها كقربان للآلهة، لكن عندما سمعت خادمة الأميرة بهذا الأمر؛ قامت بصنع تمثال خشبي يشبه الأميرة وألقته بدلًا منها دون أن يشعر أحد، ومع ذلك استمر النيل يفيض بالماء كأن لم يكن شيئًا.

هذه القصة ليست سوى أسطورة من نسج الخيال المصري تمامًا كحكايات “أيزيس وأوزوريس” وغيرها من القصص الأخرى، التي أبدع المصري القديم في سردها وقص تفاصيلها بطريقة شيقة وجذابة.

إن كنت تجري من عندك فلا حاجة لنا بك.. ما رواه المقريزي في رسالة عمر بن الخطاب
على الرغم من كل ما سبق إلا أنه يوجد بعض المؤرخين الذين يثبتون وجود تقليد عروس النيل، منهم “المقريزي” الذي ذكر في كتابه “الخطط المقريزية” بأنه جرت العادة لدي المصريين القدماء على تقديم فتاة عذراء جميلة قربان للنيل، واستمرت هذه العادة حتى الفتح الإسلامي لمصر عام 641م، ففي ذلك الوقت كانت الأحوال سيئة وعم الجفاف في البلاد؛ لذا طلب الأقباط وعلى رأسهم المقوقس من حاكم مصر “عمرو بن العاص” أن يلتزموا بطقسهم السنوي، وهو “تقديم عروس النيل” حتى لا يفيض النهر ويُغرق البلاد.

إلا أن عمرو بن العاص رفض ذلك؛ لأن الأمر يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية، لكن الأقباط استمروا في إلحاحهم لذا أرسل عمرو بن العاص رسالة إلى عمر بن الخطاب يستشيره في هذا الموضوع، وجاء الرد من عمر بن الخطاب في رسالة ذكر بها “بسم الله الرحمن الرحيم.. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر.. أما بعد.. إن كنت تجري من عندك فلا حاجة لنا بك.. وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك.. فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك” ثم طلب أمير المؤمنين أن تُلقى الرسالة في النيل، وفي هذا اليوم فاض نهر النيل 16 ذرعًا.

يوجد أم لا يوجد.. رأي علماء المصريات
مع تناقض الروايات واختلافها حول وجود طقس عروس النيل من عدمه، جاء الرد من بعض الباحثين في علم المصريات أشهرهم الباحث والمؤرخ “بسام الشمّاع”، الذي انتقد موضوع وجود عروس للنيل وقدم أدلة علمية تثبت كلامه وتؤيده.

أدلة الشمّاع.. بردية أنستازيا وتقديم القرابين
ذكر الشمّاع بأنه لا توجد أي كتابات أو نقوش فرعونية تثبت وجود عروس النيل، وأن البردية التي تناولت الأمر كانت “بردية انستازيا”، إلا أنها لم تتحدث سوى عن الأناشيد والأغاني التي كانت تؤدى من قبل المصريين على النهر في عيد وفاء النيل، ونصها كالآتي: “فيضان مبارك.. نقدم لكم ذبائح مثل: الجاموس، والثيران، والطيور.. ونقدم لكم الغزلان التي تُصطاد عند سفح الجبل.. ولكم نوقد ونحرق البخور”.

هذا الأمر يثبت أن المصريين القدماء كانوا يقدمون قرابين للنيل حتى لا يفيض أو يجف، لكن اقتصرت تلك القرابين على الحيوانات والطيور والنباتات والبخور أو التماثيل الخشبية، ولم يذكر قط تقديم ضحايا بشرية، خاصة وأن الحضارة المصرية القديمة كانت حضارة سلمية تنبذ العنف.

أسطورة بلوتارخ.. أول مخترع لفكرة عروس النيل
يضيف الشمّاع بأن هذه الأسطورة بدأت لدى المؤرخ اليوناني “بلوتارخ”، فقد ذكر في كتاباته أن ملك مصر “ايجيبتوس” قام بالتضحية بابنته عروسًا للنيل حتى يسترضي الآلهة، إلا أنه ندم بعد ذلك وألقى بنفسه في نهر النيل.

خلاصة الكلام.. ما فعله المصريون حقًا
عروس النيل.. يرد الشماع على أسطورة بلوتارخ بأنه لم يكن يوجد ملك في مصر القديمة يدعى “ايجيبتوس”، وإنما هو ملك وهمي اخترعه المؤرخ في أسطورته.

في رواية المقريزي ذُكر أن الأقباط طلبوا من عمرو بن العاص تقديم عروس بشرية كأضحية، في حين أن هذا الكلام يتعارض من الديانة المسيحية التي ترفض العادات الوثنية القديمة، أما بالنسبة لرسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لنهر النيل، فسند الرواية ضعيف ولا يؤخذ بها.

وفي النهاية كان المصريون القدماء على درجة كبيرة من العلم ومعرفة العلوم السماوية، فكيف لهم أن يلقوا بفتاة بشرية في النيل بهذه البساطة، وإن كان الأمر تم بالفعل فإن الفراعنة كانوا يتعاملون مع حضارات أخرى، مثل: ليبيا والنوبة والفرس والروم والعراق، كما تم احتلالهم من قبل الإسكندر المقدوني، وأيضًا دخل بهم الدين المسيحي والإسلامي، فكيف يُعقل ألا تَذكر أي حضارة من هؤلاء شيئًا عن الأمر أو تؤكد وجوده إن كان يحدث بالفعل.


التعليقات