«الجميلة أتت».. ما بين قرص الشمس والعاصمة الجديدة اختفت بشكل غامض.. في ذكرى اكتشاف تمثالها تعرف على حياة الملكة نفرتيتي

كان اكتشاف تمثالها حديث العالم بأكمله، ينظرون إلى هذه التحفة الفنية التي جسدت أروع مثال للنحت في العالم، تظهر به الملكة الشابة وهي تضع فوق رأسها تاج فريدًا يميزها عن غيرها، فهو تاج خاص بنفرتيتي صممته بنفسها، يخفي خصلات شعرها ولكنه يبين بوضوح عنقها الطويل، ليظهر جمال لا يقارن مؤكدًا حقيقة اسمها الجميلة «قد أتت».

آراء العلماء حول الملكة الجميلة «نفرتيتي» 

تنتمي الملكة نفرتيتي للأسرة ال 18 ويعني اسمها «الجميلة قد أتت»، أما بالنسبة لطفولتها لم يعثر العلماء على أدلة كافية حولها فانقسموا إلى أراء عدة، بعضهم يعتقدون أنها ربما تكون ابنة موظف كبير في البلاط الملكي يدعى «آي» والبعض الآخر يقول أنها أتت من بلاد أجنبية، وأقامت في مصر وتزوجت من الملك اخناتون، بينما يظن آخرون أن «نفرتيتي» ذات دماء ملكية مصرية، ولكن ما استقروا عليه جميعًا أن اخناتون أعجب بها إلى حد كبير، وأعطاها دورًا فريدًا، ومكانة رفيعة وقوة عالية في الحياة العامة.

كسر التقليد الملكي الفرعوني

شاع في العصر الفرعوني أن يتزوج الملك أميرة من أسرته الملكية، لضمان أستمرارية الحكم في العائلة، لكن أمنحتب الثالث استطاع أن يكسر ذلك القيد، وتزوج فتاة لا تنتمي للأسرة الملكية تدعى «تي» وأنجب منها أمنحتب الرابع، الذي صار على خطى والده فقد كان من المقرر أن يتزوج -حسب التقاليد الملكية- من كُبرى أخواته، ولكنه تزوج نفرتيتي الفتاة التي أحبها منذ الصغر وأنجب منها 6 بنات، أشهرهن الأميرة «ميريت آتون»، والأميرة «ماكت آتون»، والأميرة «عنخ سن آتون»، والأميرة «تاشيري».

«مليحة المحيا بهيجة بتاجها».. في إعجاب أخناتون بنفرتيتي

اُعجب اخناتون بجمال نفرتيتي وعبر عن حبه لها في عدد من اللوحات التي عُثر عليها في تل العمارنة، فيقول في إحدى اللوحات: “مليحة المحيا، بهيجة بتاجها، إذا ما أصغى إليها الإنسان طرب، سيدة الرشاقة، ذات الحب العظيم”، بينما في لوحة أخرى يقول: “الجديرة بالمرح، ذات الحسن، جميلة الوجه، زائدة الجمال التي يحبها الملك، سيدة جميع النساء” ويصف صوتها فيقول: إن الإنسان ليسعد حين سماع صوتها”.

وغالبًا ما كانت تُظهر المناظر المرسومة على جدران القصر الملكي منظر عائلي جميل، تبدو فيه نفرتيتي وبناتها وزوجها مثالًا للأسرة المتألفة السعيدة، كذلك أعطي اخناتون لنفرتيتي مكان عالية، فكانت دائمُا تظهر بجواره في النقوش ليس في لوحات الحياة العائلية فحسب، وإنما في ممارسة شؤون الحكم، لدرجة أن بعض علماء المصريات يعتقدون أن نفرتيتي هي صاحبة فكرة الدين الجديد «عبادة قرص الشمس».

ديانة جديدة أحدثت صدعًا في مصر الفرعونية 

قبل أن يتولى أخناتون عرش مصر كان يعبد الإله آمون ويقيم في مدينة طيبة، ولكن عندما تولى عرش البلاد وتحديدًا في العام السادس من حكمه، أعلن عن ديانة جديدة وهي عبادة الإله آتون والذي رمز له بقرص الشمس.

اعتمد اخناتون على الفنون في نشر تعاليم دينه الجديد، حيث أوكل للفنانين المعماريين أن يبنوا له معابد غير مسقوفة؛ لتسمح بدخول أشعة الشمس، كما طلب من النحاتين والرسامين أن يرسموا صورة العائلة الملكية بها تشوهات مقصودة؛ ليعبر عن الأحاسيس الداخلية المجردة عن المظاهر الجسمية.

وكان يتوجه لعبادة الإله آتون ببعض الترانيم منها: «ما أبهى جمالك حين تطلع في أفق السماء، يا آتون الحي يا خالق الحياة، عندما تتلألأ في أفق الشرق تملأ الأرض كلها بجمالك، أنت جميل، أنت عظيم، وبريقك يعلو فوق كل أرض، وأشعتك تحتضن الأرض وكل المخلوقات».

ديانة جديدة في أرض جديدة

عندما أعلن اخناتون عن ديانته الجديدة قرر أن يبدأها في أرض جديدة بعيدًا عن كهنة آمون، فاستقر به الحال في مكان بمصر الوسطى، بين طيبة في الجنوب ومنف في الشمال، يسمى الآن «تل العمارنة» في محافظة المنيا.

أطلق اخناتون على مدينته اسم «اخيتاتون» أي أفق آتون، وهي تقع في سهل واسع خصيب محاط بصخور عالية تشكل نصف دائرة؛ فتوفر له الهدوء، وهذا ما أراده اخناتون لممارسة طقوس دينه الجديد.

ضمت مدينة اخيتاتون قصرين ملكيين، هما القصر الشمالي والقصر الجنوبي، بالإضافة لمعابد آتون ومساكن للنبلاء، أما عن المقبرة الملكية فهي تقع في الشمال الشرقي للمدينة، ويتكون القصر الملكي من جناح للملك وجناح للملكة وجناح للأميرات الست، فُرش بأثاث فخم عتيق وزُين بصور ومناظر ملونة ونصوص دينية باللغة الهيروغليفية، وعلى الجانب الآخر بُنيت معسكرات الجنود من الطوب اللبن، وطُليت جدرانها باللون الأبيض وزُخرفت بالرسوم والنقوش.

نهاية غامضة.. اختفاء نفرتيتي من المشهد

بعد مرور 14 عامًا من حكم اخناتون، لم يعد هنالك صور لنفرتيتي فقد اختفت تمامًا عن الساحة، واعتقد بعض الباحثين أنها ماتت وحلت محلها زوجة اخناتون الأخرى، بينما يرى آخرون أن اخناتون هو من مات اولًا، وخلفته نفرتيتي على العرش وغيرت اسمها إلى «سمنخ كارع» الذي ظن العلماء لوقت طويل أنه ملك خلف اخناتون، ولكنه في الحقيقة نفرتيتي نفسها.

ويرى بعض علماء المصريات أن نفرتيتي تولت مسؤوليات الحكم بعد موت اخناتون، كذلك تكفلت برعاية ابنه «توت عنخ آمون» حتى وصل إلى سن البلوغ، فزوجته من إحدى بناتها لكي يصبح وريثًا شرعيًا للعرش، وحتى الآن لا نملك معلومات كافية عن مومياء نفرتيتي، الأمر المؤكد أنه كان لها الكثير من الاعداء الذين حاولوا طمس آثارها ومحو اسمها من السجلات.

تمثال الملكة يعرض في متاحف ألمانيا

اُشتهرت نفرتيتي بالتمثال النصفي لوجهها، المنحوت علي قطعة من الحجر الجيري في تحفة فنية، تبرز روعة المصري القديم في التصوير والتلوين والتعبير، وقد عثر عليه عالم المصريات الألماني «لودفيج بورشاردت» في 6 ديسمبر 1912 بورشة تحتمس النحات في تل العمارنة، لكن بورشاردت هرّب التمثال الكامل غير المخدوش إلى ألمانيا، مخفياً ضمن قطع فخار محطمة مرسلة إلى برلين للترميم.

يوجد تمثال آخر لرأس نفرتيتي بالمتحف المصري من الكوارتز الأحمر مزين بلمسات من المداد، وهو لا يقل في دقة الصنع عن الرأس الموجودة ببرلين ولكنه أقل شهرة منه.

نفرتيتي في السينما العالمية

كانت شخصية نفرتيتي وقصتها منبعًا خصبًا لصناع الأفلام العالمية، فأنتج منها العديد من الأفلام، مثل الفيلم الإيطالى نفرتيتي ملكة النيل الذي أنتج عام 1961، وفيلم نفرتيتي ابنة الشمس الذي أنتج عام 1994، وغيرها من الأفلام التسجيلية والقصيرة التي ترجمت للغات العالم المختلفة.

التعليقات