جبران خليل جبران.. شاعر الحياة ورسام الخلود في ذكرى ميلاده الـ142

جبران خليل جبران

«أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فأغمض عينيك والتفت تراني أمامك».. إنها حروف لإنسان برع في تجسيد المشاعر في قصائده النثرية، ورسمت ريشته آلام الغربة وأوجاع الإنسانية.. إنه جبران خليل جبران.

يمر علينا اليوم الذكرى 142 لميلاد هذا الرسام والأديب والشاعر اللبناني الكبير، أحد أعلام نهضة الأدب في العصر الحديث، وأشهر فرسان الرومانسية والحب العذري في التاريخ.

جبران خليل جبران.. بداية غير مستقرة

ولد جبران خليل بن ميخائيل بن سعد في 6 يناير 1883 ببلدة بشري شمالي لبنان.

كان جبران ينتمي لأسرة مارونية فقيرة، وقد هاجرت عائلته في 1895 إلى مدينة بوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو في عمر 13 ربيعًا.

لذلك توزعت نشأة جبران بين مسقط رأسه في لبنان، ومدينة بوسطن بالولايات المتحدة.

وفي مدينة بوسطن أصيبت أسرة جبران بداء السل، فماتوا واحدًا تلو الآخر.

وقد عانى جبران على إثر ذلك معاناة نفسية ومادية كبيرة، إلى أن تعرف على سيدة تدعى ماري هسكل، التي تبنته ومنحته الكثير من مالها وعطفها.

جبران خليل جبران.. فنون يحصدها وهو أخضر السنون

قبل هجرة العائلة التحق جبران -وهو في عمر 5 أعوام- بمدرسة عرفت باسم “تحت السنديانة”، في بلدته بشري بلبنان، وتعلم بها أسس اللغات السريانية والفرنسية والعربية والأدب والتاريخ.

وعندما هاجر إلى مدينة بوسطن الحقته عائلته بإحدى المدارس الشعبية، حيث درس بها اللغة الإنجليزية والفلسفة والفن.

كما تمكن من إتقان التقنيات الخاصة بالرسم.

وبعد 3 أعوام عاد جبران إلى لبنان وانضم إلى “معهد الحكمة” ببيروت، وهناك استطاع أن يطور مهاراته باللغة العربية.

وفي 1908 سافر جبران إلى باريس لتعلم فن الرسم والتحق بأكاديمية “جوليان”، التي تعلم بها كبار الفنانين الفرنسيين أمثال هنري ماتيس وفرناند لوجيه.

كما تردد جبران على أكاديمية “كولاروسي” المتخصصة بالرسم على النموذج، إلا أنه فضل العمل في مرسمه الخاص وزيارة المتاحف والمعارض.

جبران خليل جبران

كما زار جبران قصر “فرساي” وأعجب بلوحة “الموناليزا”، وبدأ بعد ذلك رحلته في رسم المشاهير، ومطالعة نوابغ الأدباء الإنجليز والفرنسيين والألمان.

وفي أواخر 1910 حصل جبران على إجازة في فنون التصوير.

مكث جبران في باريس لمدة عامين ثم عاد إلى نيويورك في 1911، لتبدأ رحلة الأديب والقاص والشاعر والرسام جبران خليل جبران.

جبران خليل جبران.. كلماته سطرت النهضة الأديبة الحديثة

تأثر الأدب العربي الحديث بأدب جبران خليل جبران، حيث أسس مدرسة بيانية جديدة ليصبح من رموز عصر “نهضة الأدب الحديث”.

اعتمد جبران في تعبيره الأدبي على أسلوب القصص القصير وأسلوب المثل وأسلوب التأمل.

كما ركز على النزعة الرومانسية التي صعدت في وجه الرأسمالية، والنزعة الرمزية إذ تحفل أغلب مؤلفاته بالرمز والأسطورة والخيال.

1- مجلة المنارة

في عام 1900 أصدر جبران خليل جبران مع الفنان يوسف الحويك مجلة “المنارة”، واستمر إصدارها لمدة عامين.

وتمكنت المجلة من اقتحام الدوائر الفكرية والثقافية في بوسطن ونيويورك وباريس.

2- الكتب الأدبية

بدأ جبران مسيرته الأدبية بكتاب “الموسيقى”، الذي ألفه باللغة العربية في 1905.

وختمها بكتابين نشرا بعد وفاته وهما “التائه” نشر في 1932 و”حديقة النبي” الذي نشر في 1933.

ويقدر عدد الكتب التي ألفها بـ18 كتابا، منها 8 كتب بالعربية و10 كتب بالإنجليزية.

وقد تُرجم كتابه “النبي” إلى قرابة 110 لغات.

جبران خليل جبران

3- المسرحيات

ألف جبران 11 مسرحية طبعت بعد وفاته -منها 3 غير مكتملة-، كتب 6 منها بالإنجليزية و5 بالعربية.

4- التجربة الشعرية

خلف جبران أزيد من 1000 قصيدة.

ويعد من أول المبدعين الذين ألغوا “الموضوع الواحد” في القصيدة -الغرض-، واستوعبت تجربة حياتية كاملة تقدم بلغة شعرية.

كما وظف الرمزية بشكل قوي يجعلها تشد مفاصل النص وتجنبه الانكسار والتفكك.

خرق جبران في شعره الجديد شكل القصيدة الكلاسيكية القائمة على نظام الشطرين، وتلاعب في أطوال الأشطر، ونظم الشعر المقطعي.

كما اعتمد في شعره على لغة الحياة اليومية، ساعيًا إلى زحزحة النسق الذي خطه القدامى، القائم على اللغة الفخمة الجزلة.

ثار على النسق الشعري القديم الذي هيمن على الشعر العربي المتمثل بشعر الغزل الحسي، فالحب في نظره فهو حب رومانسي يجل المرأة ويقدسها.

كما تأمل النفس الإنسانية وتعمق فيها من أجل كشف أسرارها.

جبران خليل جبران.. ريشة تجسد فلسفة الحياة

استلهم جبران خليل جبران من العديد من المدارس الفنية التشكيلية، وزار معارض متنوعة، مما ساهم في تشكيل أسلوبه الفني الخاص.

وأنتج العديد من الرسومات التي بيعت كأغلفة لكتب أو عرضت في معارض فنية.

كما افتتح أول معرض له في بوسطن في 8 مارس 1898، تلاه معرض آخر في محترف “فرد داي” عام 1904.

وفي 12 نوفمبر من العام ذاته، تعرض جبران لصدمة كبيرة عندما احترقت 40 لوحة من أعماله في معرض “هاركو ستويد”.

جبران خليل جبران

ومع ذلك نظم معرضًا جديدًا في بوسطن عام 1905، حيث قدم لوحات رمزية نالت إعجاب النقاد والجمهور.

خلال زيارته باريس بين عامي 1908 و1911، نجح في عرض إحدى لوحاته، بعنوان “الخريف”، في معرض الربيع الشهير.

لاحقًا تم دعوته لعرض أعماله في معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة في باريس.

كما تميزت رسومات جبران بتصوير الأجساد العارية، ليس من منطلق الإثارة، بل كرمزية للحياة النقية مستوحاة من أسلوب اللوحات الكنسية القديمة.

وأوضح فلسفته بقوله:

“الحياة خُلقت عارية، والجسد العاري أصدق تعبير عنها”.

الرابطة القلمية.. شعلة النهضة الأدبية في المهجر

أسس جبران عام 1920 مع مجموعة من الأدباء “الرابطة القلمية”، التي تولى عمادتها.

وضمت الرابطة أسماء بارزة مثل ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة، وسعت لتشجيع الأدب العربي ونشره في المهجر عبر صحف ومجلات مثل:

مجلة الفنون: أسسها نسيب عريضة.

جريدة السائح: أصدرها عبد المسيح حداد.

مجلة السمير: أنشأها إيليا أبو ماضي.

ولعبت الرابطة دورًا كبيرًا في دعم جبران وتعزيز مكانته الأدبية، واستمرت حتى تفككت بعد وفاته عام 1932.

رسائل العشق الروحي بين جبران ومي.. حكاية حب عبر الكلمات

بدأت شرارة الحب بين مي زيادة -أبرز رواد الأدب العربي- وجبران خليل جبران عام 1912م بعد أن قرأت مي كتابه “الأجنحة المتكسرة”.

أرسلت مي إليه رسالة تعبر فيها عن إعجابها بالكتاب، لتبدأ بينهما مراسلات أدبية وفكرية غنية.

لكن سرعان ما تطورت هذه العلاقة من إعجاب فكري إلى حب عذري تخطى حدود المكان والزمان.

مي زيادة

وتبادلا الرسائل على مدى سنوات، حيث عبرت كل رسالة عن صداقة فريدة وحب روحي تجاوز المفاهيم المادية.

عُرفت هذه المراسلات بتميزها الأدبي والفكري، حيث تضمنت نقدًا متبادلًا لكتابات كل منهما.

وانتقلت العلاقة من التحفظ إلى التودد، ومن الصداقة إلى حب عميق يتسم بروحانية واضحة.

على سبيل المثال عبر جبران عن احتياجه الروحي لمي قائلًا:

“أنا بحاجة إلى يد تتناولني مما ازدحم في نفسي”.

كذلك أظهرت مي في رسائلها قلقها العميق على صحته، مؤكدة حبها ودعمها له.

وكان لجبران آراء مميزة حول المرأة، حيث اعتبرها مصدر إلهام ودعامة أساسية في حياته.

ففي إحدى رسائله إلى مي قال:

“لولا المرأة لما وُجد جبران الذي أحببته”.

أما في كتابه “الأجنحة المتكسرة”، فقد انتقد التقاليد الشرقية التي تقيد حرية المرأة، معبرًا عن أهمية دورها في المجتمع والحياة.

وتُوجت هذه العلاقة الفريدة بنشر كتاب “الشعلة الزرقاء” الذي جمع رسائل جبران إلى مي، وعكس تطور العلاقة بينهما.

على الرغم من عدم التقائهما سوى مرة واحدة في الواقع، تُعتبر مراسلاتهما إرثًا أدبيًا وإنسانيًا نادرًا.

جبران خليل جبران.. وداع شاعر الحياة ورسام الخلود

توفي جبران خليل جبران في نيويورك 10 أبريل 1931 بسبب السل وتليف الكبد.

وبعد وفاته نقل رفاته إلى مسقط رأسه في بشري 23 يوليو 1932، حيث دفن في ما أصبح متحف جبران حاليًا، وترك وصية تحمل كلماته الأخيرة:

“أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فأغمض عينيك والتفت تراني أمامك”.

التعليقات