عُرف بكونه أكثر الشخصيات جدلًا في التاريخ، البعض ينظر إليه بحب وتبجيل، وآخرون عارضوه، ووصل بهم الأمر لتكفيره غير مدركين ماهية أفكاره، رافضين أشعاره، التي جمعت بين الدين والفلسفة والتصوف في مزج كوني فريد، إنه الفقيه والشاعر والمتصوف والفيلسوف “جلال الدين الرومي”، استطاع أن يلفت أنظار العالم لعدة قرون، وحظي باهتمام بالغ فكتبت عنه الآلاف المجلدات والكتب، وصار عام 2007 عامًا عالميًا للاحتفال به، في ذكرى وفاته نتعرف على أسرار هذا الشاعر، ونظرياته التي أثارت جدلًا واسعًا في شرق الأرض ومغربها.

حياة تصارع الموت.. “كنت فجًا فنضجت فاحترقت”
ولد جلال الدين الرومي في أصعب الفترات في التاريخ الإسلامي، فترة الغزو المغولي حين تعمد جنكيز خان تدمير الحضارة الإسلامية، فشرع في حرق المساجد والمكتبات وإعدام الشيوخ والعلماء المسلمين؛ من أجل تدمير الحضارة الإسلامية التي عرف من الوهلة الأولى أنها ستكون ألد خصم له إن تسلح برايتها المسلمون.

في تلك الفترة وتحديدًا عام 1207م شهدت مدينة “بلخ” -الواقعة في أفغانستان حاليًا- ولادة محمد بن محمد بن حسين الخطيبي البلخي، الذي عُرف فيما بعد بجلال الدين الرومي، الذي كان افغاني المولد، فارسي الأصل، تركي النشأة.

آن أوان الترحال
كان والد جلال الدين الرومي المعروف ببهاء الدين أشهر علماء وفقهاء بلخ، الذي عُرف بجرأته وقوله للحق ومجابهته للأمراء والملوك؛ فكان لا يرضى بالظلم، وعندما بلغ جلال الدين الخامسة من عمره قرر بهاء الدين أن يشد الرحال ويترك مدينه بلخ، في رحلة استمرت 13 عام ضمت مكة والمدينة والشام، واثْرت هذه المدن ثقافة جلال الدين الرومي في شتى العلوم الدينية والدنيوية، التي تلقاها على يد شيوخها الأفاضل وقبلهم والده بهاء الدين.

استقرت العائلة في قونيا -مدينة في تركيا- حيث مات بهاء الدين، وحزن جلال الدين على والده كثيرًا فقال في رثائه: “نحن ارتحلنا فسلام على الباقين، فلابد للمولود أن يموت، وإن كنت فريد عصرك والمشار إليك في البنان، ففي يوم ما ستغادر هذه الدنيا وترحل، كما غادر من قبلك ورحلوا فردًا فردًا”.
أستاذ يتحمل المسؤولية
بعد وفاة والده تحمل جلال الدين مسؤولية تعليم أهل قونيا، فأخذ يستزيد من العلم على يد شيخه “برهان الدين الترمذي” الذي أرسله إلى الشام ليقضي أعوامًا هناك في طلب علوم اللغة والدين، ليعود إلى بلخ حاملًا قدرًا كبيرًا من العلم والثقافة، يؤهله بجدارة أن يصير شيخ قونيا الأول.

صدفة غيرت مسار القصة
استمر جلال الدين في أداء مهمته على أكمل وجه، فقضى أعوامًا في تعليم أهل قونيا شتى بحور العلم والمعرفة، ولكن صدفة أدت لتغيير مسار حياته للأبد، عندما التقى بـ “شمس الدين التبريزي” ذلك الرجل الغريب الذي اعتكف معه الرومي شهورًا وقال البعض سنوات، فنسى واجباته تجاه أهل قونيا الذين ألصقوا التهم بهذا الغريب الذي سلبهم شيخهم.

وفي صباح أحد الأيام خرج جلال الدين من خلوته، ليس كجلال الدين الفقيه عالم الدين الواعظ كما عرفه قومه، ولكن كجلال الدين العاشق الذي يهوى الشعر والتصوف والفلسفة، يقول جلال الدين في ذلك السياق: “عندما اشتعلت نيران الحب في صدري، أحرق لهيبها كل ما كان في قلبي، فازدريت العقل الدقيق والمدرسة والكتاب، وعملت على اكتساب صناعة الشعر وتعلم النظم”.
خلافات حول الرومي وعلاقتها بالأديان والمغول
دارت الكثير من الخلافات حول جلال الدين الرومي، فالبعض يؤيده بشدة ويرى أنه رجل يستحق التبجيل، والبعض الآخر يعارضه وربما وصل بهم الحال إلى تكفيره، فما السر في ذلك يا ترى؟
1- وحدة الأديان
كان الرومي يدعو للتسامح وتكوين علاقات طيبة مع الجميع فدعا إلى وحده الأديان، ولكن اعتبر البعض ذلك تفريطًا في الدين، ومحاولة للقضاء على الشخصية العربية وإذابتها.

2- موقفه مع المغول
المغول ذلك الشعب الأرعن الذي حارب المسلمين ووقف لهم بالمرصاد، وتعمّد طمس حضارتهم والقضاء عليهم، فيرى المعارضون للرومي أنه مدحهم وكوّن معهم علاقات طيبة، فيقول في أشعاره: “تقبل الله تضرعهم، لم ينصرهم الله ويُعلي أمرهم لقوة في أنفسهم، بل عون منه جعلهم الأعليين”.
شعبية بلغت عنان السماء
1- يُعتبر الرومي من أكثر الشعراء الذين أُلفت عنهم كتبًا ومجلدات شرقًا وغربًا.

2- أعلنت اليونسكو عام 2007 عامًا عالميًا للاحتفال بجلال الدين الرومي بمناسبة مرور 800 عام على ولادته.

3- حظي الرومي في الغرب بشعبية بلغت الآفاق، فرآه المستشرقون رجلًا ثقافيًا فريدًا من نوعه، ووصفوه بالموسوعة الثقافية.

4- أعلن “ليوناردو دي كابريو” الممثل الأمريكي أنه بصدد تصوير فيلم، يجسد فيه شخصية أبرز شعراء الصوفية الإسلامية جلال الدين الرومي في عام 2020.

5- وصفت البي بي سي جلال الدين الرومي بأنه أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2007.

السر وراء رقصة الروح
ذات يوم عندما كان جلال الدين الرومي متجهًا إلى سوق الذهب في قونيا، سمع صوت مطارق الصائغين تطرق في تناغم و تناسق وانسجام، فسرح بها في خياله وأمال رأسه علي كتفه الأيمن، ثم رفع يديه إلى السماء وبدأ يدور ويدور على أصوات مطارق الصائغين، الذين أزادوا من ضرباتهم فور رؤيتهم له في هذه الحالة، وشعروا بأنه قد طار بروحه عاليًا إلى السماء، ومن هنا نشأت الرقصة المولوية التي ما زالت متواجدة حتى الآن.

رحيل أعظم كاتب صوفية
في عام 1273م ضرب مدينة قونيا زلزال قوي تضرر منه ابن الرومي ومات بعدها بأيام فقط تحديدًا في 17 ديسمبر، تاركًا إرث كبير من الكتب والأشعار أهمها كتاب “المثنوي”، الذي كُتب بالفارسية وترجم للغات العالم لاحقًا، ضمّنه الرومي 24000 بيتًا شعريًا من جملة ما كتبه 80000 بيتًا شعريًا.

“وفي بحر العشق ذبت كالملح، لم يبق كفر ولا ايمان ولا شرك ولا يقين، يشيع في قلبي كوكب تختبىء فيه السبع سماوات”.
” أنا لو كنت قرينًا للحبيب، لكنت كالناي ابوح بما ينبغى البوح به، لكن كل من افترق عمن يتحدثون لغته، ظل بلا لسان حتى وإن كان لديه ألف صوت”.
“حين تعثر على الجمال في قلبك؛ ستعثر عليه في كل قلب”.

التعليقات