هبة عنتر
ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من السلوكيات الغريبة على مجتمعنا المصري التي منها عقوق الوالدين والتي أصبحنا نسمع بين الحين والآخر عن حوادث طرد الأبناء لآبائهم وأمهاتهم كبار السن الذين لا يعرفون إلى أين يذهبون بأنفسهم بعدما عانوا طيلة حياتهم من أجل تربية أبنائهم الذيم لم يراعوا الشيب الذي اعتلى رؤسهم وانحناء ظهورهم.. فأصبحت قلوبهم أقسى من الحجر.
ومن أخطر الأسباب التي تؤدي إلى عقوق الوالدين هو اتباع الوالدين، بمعنى أن الوالدين يكونا عاقين بوالديهما فإن الأبناء يقتدوا بوالديهما وبالتالى يعقوهما، فخير الأشياء التى تجعل الأبناء بارين بالوالدين أن يرى الوالدين بنفسهما بارين بالأجداد، فبذلك يتبعونهم ويفعلون مثلهما.
6 حوادث لجحود الأبناء على الآباء في شهور قليلة
هناك الكثير من القصص التى تظهر جحود الأبناء لآبائهم الذين أفنوا أعمارهم في سبيل إسعادهم وتوفير الرعاية لهم التي حدثت فى شهور قليلة جعلت القلب يدمي حزنًا على حال هؤلاء الآباء والأمهات، رصد «العالم الأوسط» منها الآتي:
1-قصة الحاج سيد، التي حدثت منذ أيام قليلة، والذي قام ابنه بضربه وطرده في الشارع، وإشعال النار في ملابسه.
2-قصة الفنان رشوان توفيق مع أبناءه الذين قاموا برفع قضية حجر عليه فى أحد المحاكم بعد تنازله عن كل ما يملك من أموال لابنته وزوجها واللذان قابلا هذا الحب والعطاء بالجحود والكراهية، والتي تصدرت مواقع البحث خلال الأيام القليلة الماضية.
3- قصة عم صالح الذي يبلغ من العمر 73 عاماً، حيث تداولت منصات السوشيال ميديا صورة الرجل السبعيني عقب ظهوره مع الإعلامي عمرو الليثي في برنامج “واحد من الناس”عبر قناة الحياة، وخلال الفقرة، روى الأب المصاب بمرض الشلل الرعاش، تفاصيل المأساة التى يعيشها، وقال عم صالح: “أبناءي قالوا لي لو هتجيب فلوس هتقعد، ولو مش هتجيب هنرميك في الشارع، ومتقعدش من غير ما تدفع، وابنى ضربنى برجله عشان قاعد تحت البيت”.
4-قصة السيدة المسنّة “عطيات محمد عبداللطيف” صاحبة الـ 62 عامًا، والتي أفنت سنوات عمرها في تربية أولادها وإعطائهم حقوقهم، إلى أن انقلب حالها رأسًا على عقب، خلال بث مباشر مع “أهل مصر”.
تروى السيدة عطيات مأساتها مع أولادها بالعمرانية، قائلة: “أنا عندى 3 أولاد و3 بنات، من بعد وفاة زوجي وأولادي تركوني لوحدي وكل واحد أخد شقة وسكن بعيد عني، ومحدش سأل عليا، ولأن أنا مريضة قلب وبتجيلي الأزمة في الليل قررت أتجوز حد يخدمنى ويكون معايا وقت ما اتعب، ولكن أولادى رفضوا وهددوني وطلبوا منى التنازل عن كل ممتلكاتى مقابل أن أتزوج”.
5-وقصة الشاب الذي قام بضرب أمّه وطردها من المنزل ارضاءًا لزوجته ووجه إليها السباب والشتائم، والذي اندفع نحوها بدم بارد وبقلب جامد ليعتدى عليها باللكمات على وجهها الهزيل وجسدها النحيل، فسقطت الأم على الأرض فاقدة للوعى وتعانى من نزيف.
فحملها جيرانها إلى المستشفى ولحقها شقيقها الكبير في السن وأبناءه بجواره وقرروا عمل محضر للشاب ولكن العجوز رفضت أن تلحق الضرر بنجلها، ومكثت بالمستشفى يومين ثم خرجت لمنزل شقيقها الذي أصر علي إقامتها معه ولكن الإقامة لم تطل فقد توفيت السيدة المسنّة بعد 15 يوما من إقامتها مع شقيقها وصعدت روحها لربها وهي تشكو قسوة نجلها وجفاءه عليها.
6-قصة الحاج أحمد يوسف الذي يبلغ من العمر 75 عاماً، والذي حاول ابنه التخلص منه عن طريق إشعال النار في بيت أبيه، وكان الأب الملكوم داخل البيت فى ذلك الوقت، وفى اللحظات الأخيرة تمكن الجيران من إخماد الحريق الكبير، ليقرر الأب بعدها أن يقوم بتحرير محضر ضد إبنه ولكنه غلبته مشاعره وقرر التنازل عن المحضر.
دور الإعلام فى الترويج لجحود الأبناء
قالت الدكتورة سامية خضر صالح، أستاذ علم الإجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس، إننا أصبحنا نسمع عن قصص حجود الأبناء على الآباء بشكل مبالغ فيه عن ذي قبل، فلم نكن نسمع عن تلك الحوادث البشعة التي تدمي القلوب، فدائما ما كان الأبوين مكرمين من قبل أبنائهما ولكن الحال الآن انقلب رأسًا على عقب.
وأشارت «خضر» لـ «العالم الأوسط»، إلى أن بعض الأبناء أصبح فكرهم متحجر، وذهبت إنسانيتهم ولم يعدوا يقدرون المحافظة على القيم والمبادئ التي تحث على بر الوالدين وتجعل مكانتهم فوق الروؤس.. مؤكدة أن هذا الجحود يؤدي إلى التدهور الأخلاقي في المجتمع.
وأوضحت أستاذ علم الإجتماع، أنه لا بد أن يحافظ الإعلام على المبادئ والقيم وتقديم محتوى هادف يؤدى إلى تطور الفكر والمجتمع، فصحة الإنسان تكمن في سلوكه واحترامه لوالديه، فدور الإعلام لا يقل أهمية عن دور الأسرة.
وأضافت أن الكثير من الأبناء أصبحوا يقلّدون كل ما يرونه في وسائل الإعلام من سرقة، وقتل، خيانة، وتعاطى للعقاقير، والتعامل بقسوة مع الآباء، فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي فهو يقلد ما يراه من سلوك على الشاشة، فأين دور الإعلام من كل هذه السلوكيات التي باتت تهدم المجتمع وأُسرِه؟.
القانون لم ينص على عقوبة لطرد الآباء من بيوت الأبناء
وأكد الدكتور عبد الحليم منصور، أستاذ ورئيس قسم الفقة المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالدقهلية، أنه لا يوجد نص قانونى يجرّم هذا الفعل من طرد الأبناء لآبائهم من المنزل، ولكن هذا الفعل إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف الإيمان فى نفوس الناس، فإذا لم يكن هناك قانون ينظم هذه المسألة فقانون السماء يجرّم هذه المسألة أشد التجريم.
واستشهد «منصور» لـ «العالم الأوسط»، بقوله تعالى قال الله تعالى: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»، فهذه الآية الكريمة تدل على الإعتناء وخفض الجناح ولين الجانب مع الآباء وليس طردهم إلى الشارع.. مؤكدًا أن القرآن الكريم يجرّم كلمة “أُفّ” التي تعد أدنى درجات الإيذاء فكيف بالإهانة والطرد والضرب كما نسمع الآن؟.
وشدد أستاذ ورئيس قسم الفقة المقارن على تجريم كل هذه سلوكيات المشينة تجاه الآباء.. مشيرًا إلى أن الطرد جريمة لم ينظم لها القانون عقوبة وإن كانت متروكه لعقيدة وتربية كلٌ منّا فى المجتمع.
ولفت إلى أنه من الضرورى كمجتمع التأكيد على أهمية الاعتناء بالآباء والأمهات واحترامهم وتوقيرهم من خلال علماء الدين فى المساجد والمؤسسات التعليمية، لترسيخ هذه الأهمية في عقول الأبناء حتى يظل المجتمع المصري مجتمعًا متماسكاً لمواجهة سلوكيات التفكك التي ظهرت بشل لافت للنظر بسبب وسائل التواصل الحديثة، فالمجتمع ما هو إلا مجموعة أُسَر فإذا تفككت هذه الأُسر تفكك المجتمع وكثرت الجريمة بين الناس.
من يطرد أبويه أو أحدهما ارتكب كبيرة موبقة
قال الدكتور محمد عبدالعاطى، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، إن الله عز وجل وصى الأبناء بالآباء فى أكثر من آية من آيات القرآن الكريم، وقرن برالوالدين بالتوحيد بالله سبحانه قال تعالى: « وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً».. مبينًا أن من يقول لهما أقل كلمة من التغليظ، مثل كلمة “أُف” وهى أقل كلمة فإنما يكون قد ارتكب جُرمًا كبيرًا، فمن باب أولى من طرد أحد أبويه يكون قد ارتكب كبيرة موبقة.
وأضاف «عبد العاطي» لـ «العالم الأوسط»، أنه ليس هناك حد شرعى يقام على من ألقى بأبويه فى الشارع.. مؤكدًا أنه يجب على الجهات التشريعية أن تُسِنّ قانوناً لمن يرتكب مثل هذه الجرائم، فقد استطعنا وضع قانوناً لمن يُضبط ومعه زجاجًا من الخمر أو سجارة من حشيش، فما بالنا برجل يلقى بأبيه وأمه فى الشارع، فينبغى أن تغلظ العقوبة أشد تغليظ.
وتابع: «أنه لا يقدم على فعل هذا السلوك إلّا فاقد المروءة سيئ الخلق قليل الدين، ومن كان كذلك مع أوثق الناس به وأكثرهم تفضلاً عليه، كان مع الناس أدنى مروءة وأسوأ خلقًا وأقل دينًا».. مضيفًا أن بعض الأبناء قد يبرر عقوقهم لآبائهم وأمهاتهم بقسوة هؤلاء الآباء والأمهات وظلمهم له وتعديهم عليه، ولكن ذلك لا يبرر عقوقهم هذا.
وأوضح أنه من أجل القضاء على هذا السلوك والعمل على الحد من انتشاره يجب أن نحث وبشكل كبير على زيادة التقارب بين الأبناء والآباء والعمل على غرس القيم الأخلاقية التي منها بر الوالدين واحترامهما وعدم الإساءة إليهما.. مشيرًا إلى أنه ينبغي على الأبناء أن يخصصوا جزء من وقتهم للقرب من والديهما لبرهما، كل حسب قدرته واستطاعته واحتياجات أبويه.
ولفت إلى أنه يجب على قطاع التعليم الإهتمام والعناية بإعداد مقررات دراسية تعني بالأسرة والمحافظة عليها، وتعني بجانب ترسيخ القيم والأخلاق الإسلامية الفاضلة في نفوس الناشئة والشباب، بالإضافة إلى إعداد برامج تربوية مختلفة مدروسة بعناية فائقة تتعاون فيها كافة المؤسسات التربوية بدء من المدرسة والإعلام والمسجد والنادي لبيان أهمية ومكانة الأسرة في الإسلام وتحديد واجبات ومسؤوليات كل عضو فيها.
وشدد على أهمية القيام بتأسيس مكاتب استشارات أسرية مجانية يقوم عليها متخصصون تربويون وشرعيون على درجة من الخبرة والعلم الراسخ بإشراف ولاة الأمر تعني بالجانب الأسري والمحافظة عليها ومعالجة مشكلاتها أولًا بأول قبل انتشارها فى المجتمع.

التعليقات