الزمان: القرن الرابع قبل الميلاد
المكان: مدينة اطلانتس
اطلانتس تلك الجزيرة المفقودة التي يكتنفها الغموض، كانت بمثابة التربة الخصبة التي ألهمت صناع الأفلام لينبتوا بها كم كبير من أفلام الخيال العلمي.
مثل: “اطلانتس الأمبراطورية المفقودة” و”أكوا مان” و”رحلة لمركز الأرض” و”فندق ترانسليفنيا”.
فنحن شاهدنا اطلانتس في أكثر من عمل فني رائع، ولكن هل اطلانتس حقيقة أم خرافة؟ وكيف ظهرت فكرتها؟ وما هو سر الجزيرة الغامضة وعلاقتها بمصر؟.
الأمر كله بدأ مع الفيلسوف أفلاطون الذي أشعل الفتيل لينطلق على إثره العلماء إلى طريق الما لا نهاية.

ظهور القارة الأسطورية خلف أعمدة هرقل
تعد اطلانتس واحدة من أكبر أساطير التاريخ وألغازه التي أفنت عمر الكثيرين ممن حاولوا البحث عنها، فكيف ظهرت؟
ذُكرت اطلانتس للمرة الأولى في كتابات الفيلسوف اليوناني أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد.
من خلال محادثة وردت في كتابه بعنوان “تيمايوس” وصف فيها حوارًا يدور بين سقراط وفيثاغورث، ويشاركهم شخص صوفي اسمه كريتياس يصف مدينة اطلانتس.
حيث حكى نقلًا عن أحد أسلافه رحلته لمصر وحديث الكهنة معه عن مدينة كانت موجودة منذ 11000 سنة.

وبدأ أفلاطون يتطرق في وصف أطلانتس فقال إنها جزيرة قارية أكبر في مساحتها من مساحة قارة آسيا ومساحة دولة ليبيا مجتمعين معًا.
وهي تقع تقريبا في منتصف المحيط الأطلسي في غرب اسبانيا، قرب جبال اطلس في شمال غرب أفريقيا، بالتحديد عند مضيق جبل طارق المعروف باسم أعمدة هرقل.
-طبقا للأسطورة أن هرقل شق صخرة عظيمة فى هذه المنطقة فسميت على اسمه- الذي يعتبر المفتاح لمدينة اطلانتس.

ويتابع كريتياس كلامه فيقول إن اطلانتس عبارة عن سهل خصيب في شكل دائري محاط بالتناوب بين اليابسة والماء.
وكان السكان يحفرون القنوات من خلالها من أجل السفن.
بالإضافة إلى وجود الموانئ والمعابد والأرصفة والقصور، وسكن المهندسون المدينة بينما سكن العامة الجبال.
وحكم القارة آله البحر بوسيدن -عند الأغريق- وبنى لزوجته أكبر القصور على هذه القارة.

جنة على الأرض
ويكمل أخوه ناكريتيس ويصف اطلانتس أنها جنة الله على الأرض، مدينة يقال لها الفردوس، أرست قواعدها على قارة مهجورة منذ الآلاف السنين.
حكمها شعب من أنقى الشعوب، وشهدت حضارتها تقدم وازدهار فى مختلف المجالات.
وامتلكوا من التقنيات المتقدمة ما فاقوا به عصرهم.

تميز شعبها بالقوى والحكمة والنبل إلى جانب الثراء الواسع بسبب الثروات الطبيعية الموجودة على الجزيرة.
وأيضًا كونها تمثل المركز الرئيسي للتجارة.

امتلك شعبها قوى عسكرية مهيبة جعلتهم يطمعون في السيطرة على البلاد المجاورة.
وبالفعل احتلوا من شمال أفريقيا إلى مصر ومن سواحل أوروبا الغربية إلى اليونان.
وتحولت اطلانتس من رمز للحضارة المزدهرة لرمز الجشع والطغيان.
-في ذلك الوقت- تصدى لهم سكان أثينا أصحاب الأخلاق السامية -حسب وصف أفلاطون-، وأجبروا قوات اطلانتس على التراجع.
-هنا- غضب الآله “زيوس” -من آلهة الأغريق- وتوعدهم بالهلاك وتلقينهم درسًا عنيفًا.
وإلى هنا تنتهي قصة أفلاطون التي لم توضح ما حدث بعد ذلك لتلك الجزيرة الغامضة.

ولم يكن أفلاطون الوحيد الذي ذكر اطلانتس على الرغم من كونه الأول.
فقد ذكرها “هيرودوت” في كتاباته، بأنها مكان بحجم قارة يحتوي على الكثير من النباتات والحيوانات والمياه النقية والتربة الغنية والمعادن النفيسة.
وذكرها أيضا ديودور الصقلي وبوسيدونيس وبعض الحكماء اليونانيين القدماء.

موقف العلماء قديمًا وحديثًا من لغز التاريخ والجغرافيا
قديمًا لم يهتم أحد بتلك المدينة واعتبروها مجرد خيال ورد في كتابات افلاطون؛ ليبرز أخلاق شعب أثينا السامي وأنه يتصدى للشر ولا يقبل بالظلم في مواجهة لتعظيم الاغريق بدلًا من التركيز على حضارة اطلانتس.

في العصر الحديث بدايةً من عصر النهضة بدأ الفكر يتغير كثيرًا.
لدرجة أن بعض العلماء عكفوا على تفسير تلك الأحجية إلى جانب تمويل بعض الدول المستكشفين في محاولة الوصول للقارة الأسطورية.

1- الكوارث الطبيعية
في أواخر القرن 19 ظهر فكر جديد يقول أن اختفاء الجزيرة بالكامل قد يكون له تفسير، ومن الممكن أن تُمحى حضارات بفعل الكوارث الطبيعية.
وأول من طرح هذه الفكرة الكاتب والسياسي الأمريكي “اغناتيوس دونلي” فقد درس تاريخ الفيضانات وتعلق كثيرًا بأطلانتس.

وذكر دونلي في كتابه “اطلانتس” أن الغرق بسبب الفيضانات ممكن بالفعل.
وأن هناك دلائل تاريخية على غرق العديد من الحضارات القديم.
وذكر الأنفجار المدوي لبركان “ثيرا” في جزيرة “سنتوريني” اليونانية في البحر الأبيض المتوسط.
والذي حدث عام 2000 ق.م وتسبب في زلزال وموجات تسونامي دمرت الحضارة المينوسية بالكامل.


كما ذكر أيضًا أن مدينة “هيليكي” اليونانية تدمرت سنة 373 ق.م بسبب موجات تسونامي.
واشيع أن آله البحر بوسيدن -عند الأغريق- دمرها بسبب جشع أهلها.

وزايد دونلي ذاكرًا أن اطلانتس أصل الحضارة وأن ما ينعم به العالم الآن من حضارة يعود لها.
فهو يرى أن الناجين من الغرق سافروا إلى مختلف بلدان العالم وعلموا الشعوب اللغة والزراعة والصناعة وفن المعمار.
لدرجة أنه بالغ؛ فذكر أن شعب اطلانتس هم من علموا الفراعنة بناء الأهرامات.

2- الغرق بالفيضان
ذكر رأي آخر أنها تعرضت لغرق الفيضان واستشهد بأنه في الألفية السادسة ق.م وقع فيضان في البحر الأسود عقب حدوث زلزال.
فأغرقت مياه البحر المتوسط البحر الأسود تمامًا.
وفي أقل من عام أرتفع منسوب مياه البحر إلى 60 متر مغرقًا أكثر من 100000 متر مربع تحت الأرض.
وكان من ضمنها أراضي سكنها البشر.

3- اطلانتس هي انتراكتيكا القارة المتجمدة
ذكر رأي آخر أن اطلانتس هي انتراكتيكا القارة المتجمدة، حيث شهدت القشرة الأرضية تحول قبل 1200 عام نتج عنه تغيير موقع القارة المتجمدة من ناحية جبال اطلس إلى نصف الكرة الأرضية الجنوبي.
وقد عثر مجموعة من العلماء على آثار في تلك القارة تثبت أنها كانت مأهولة بالسكان قبل وقت بعيد.

4- اطلانتس داخل برمودا
يرى آخرون أن اطلانتس تعرضت للغرق في مثلث برمودا، وأكدوا ذلك بوجود أنفاق تحت المحيط الأطلنطي توصل بمثلث برمودا.
بالإضافة لعثورهم على بقايا لأهرام متدرجة تحت البحر في منطقة مثلث برمودا.

5- اطلانتس ومدينة “ارم”
أتجه آخرون لربط أسطورة اطلانتس بمدينة “ارم” تلك الحضارة التي بناها قوم عاد وذكرها تعالى في كتابه الكريم “الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ”.
ولكن الأختلاف هنا أن قوم عاد اُهلكوا بعاصفة ترابية بعد ما زاد طغيانهم، أما اطلانتس فقد تعرضت للغرق إثر فيضان عظيم.

6- اطلانتس والطوفان
ويربط آخرون الفيضان الذي أهلك اطلانتس بطوفان نوح -عليه السلام-.

كان هتلر يعتقد بوجود اطلانتس، وفي عام 1930 أرسل بعثة لجزيرة مالطا في محاولة بائسة ليثبت وجود اطلانتس؛ لأنه كان مؤمن أن الجنس الألماني منحدر من شعب اطلانتس، لكنه لم يصل لشيء.

من الخيال إلى الحقيقة.. حضارات تم العثور عليها
لعلك الآن ترى الأمر مجرد أسطورة فحسب، لكن دعني أخبرك أن هناك العديد من الأساطير تم تأكيدها بعد فترة من الزمن.
فمثلًا مدينة “طروادة” التي ذكرت في ملحمة “الأليازا والأوديسا” سنة 850 ق.م كانت مجرد خيالًا للشاعر الأغريقي “هوميروس”، حتى عام 1871 عندما اكتشف هنري شولمان مدينة طروادة في منطقة تدعى “هيسرابك” في شمال تركيا.

كما تمكن العالم آثر إيفلنس عام 1900 من اكتشاف قصر “التيا” المذكور في اسطورة المينوتور.

اكتشافات ستغير فكرك عن اطلانتس للأبد
1- معدن غريب
في يناير 2015 اكتشف مجموعة من علماء الآثار البحرية اكتشاف عجيب عندما كانوا يبحثون في حطام عمره 2500 عام بالقرب من جزيرة صقلية في البحر الأبيض المتوسط.
اكتشفوا وجود 39 سبيكة من معدن أحمر غريب وبعد فحصه وجدوا أن هذا المعدن هو المستخدم في العملة المعروفة “أورشكليم”.
وطبقًا لكلام أفلاطون كان يتم التنقيب عنه في مدينة اطلانتس، وقيمته بعد الذهب وهو أحد أسباب ثروة المدينة.


2- أن اطلانتس كانت على صلة بالحضارة الفرعونية.
ويدعم هذه النظرية وجود مخطوطة “ماريس” الفرعونية الموجودة في المتحف البريطاني والتي تتحدث عن وجود اطلانتس وما وصلت له تلك الحضارة.
3- مخطوطة متحف هرماتدج
وجدت مخطوطة أخرى في متحف هرماتدج في بترسبرج في روسيا، تقول إن فرعون مصري أرسل بعثة للغرب؛ ليستكشف اطلانتس.
4- رسومات معبد أبيدوس
يوجد على جدران متحف أبيدوس في سوهاج رموز غريبة لطائرة وغواصة وصحن طائر.
وقد فسر المعارضون ذلك أن الفراعنة رسموا تلك الرسومات على رسومات قديمة؛ فظهر ذلك الشكل، أو أن تآكل بعض الجدران قد أسفر عن ذلك.
بينما فسر المؤيدون أن الفراعنة كانوا نحاتين ماهرين إذا أرادوا الكتابة؛ فهم إما أن يزيلوا ما كتب سابقًا أو يكتبوا على رقع فارغة، وكانت الكتابات تمجد في الفرعون المصري رمسيس الثاني.

5- جمجمة الكريستال
قيل أن شعب اطلانتس يمتلك تكنولوجيا متقدمة، وما أكد ذلك اكتشاف جمجمة من كرستال الكوارتز عام 1924.

6- خريطة العثمانيين
تم العثور في ممتلكات أحد سلاطين العثمانيين على خرائط استخدمها كريستوفر كولومبوس في اكتشاف الأمريكتين، وكان بها رسم لجزيرة لا تواجد في خرائط الوقت الحالي.

7- سور بحري
اكتشاف سور طوله 120 كيلو متر في عمق المحيط الأطلسي، وهو ما يُرجح أنه يتبع حضارة اطلانتس؛ لأنه قريب جدًا من مضيق جبل طارق.

8- غرفة أبو الهول السرية
يُقال أن الغرفة السرية الواقعة أسفل تمثال أبو الهول تُخفي كنزًا علميًا ووثائق معرفية عن عصر الأرض الأول.
وقد كرس العالم بيل براون حياته لاكتشاف ذلك، وبالفعل وجد فجوة مفرغة تحت أبو الهول باستخدام الرادار ولكنه لم يستطع الحصول على أذن لاستكشاف ذلك.

في النهاية لم يتم العثور على ما يؤكد وجود اطلانتس بنسبة 100٪.
ولكن طبقًا للأساطير التي تم إثباتها والاكتشافات العلمية التي تؤكد وجود اطلانتس لم يعد من المستحيل وجود القارة الاسطورية المفقودة،فكما قال أفلاطون:
“أنت مجنون إذا لم تستطع التفكير، وعبد إذا لم تجرؤ على التفكير”.

التعليقات