الزمان: تكوّن قبل حوالي 18 مليون عام، واُكتشف في 11 يوليو 1770
المكان: في بحر المرجان بالقرب من الساحل الشمالي الشرقي لولاية كوينزلاند بأستراليا
أدار بخلدك يومًا أن تقطع جدول عملك الشاق، وتأخذ رحلة لإحدى الأماكن الساحرة في العالم، ترى فيها الحياة البحرية على طبيعتها وتستكشف الشعاب المرجانية، ولا تنسى ممارسة رياضة الغوص والجلوس على شاطئ مشمش خلاب، كل هذا وأكثر في أكبر هيكل حي على هذا الكوكب، الذي يمكن رؤيته من القمر بشكل طبيعي «الحاجز المرجاني العظيم».

ورم حميد وطحالب وهياكل عظمية.. مما تتكون الشعاب المرجانية؟
يعتبر الحاجز المرجاني العظيم من أجمل المخلوقات البحرية الموجودة في البحار والمحيطات، لما له من أشكال وألوان آسرة خلابة، تجذب السياح من شتى بقاع الأرض.
ليس هذا فحسب بل يعد هذا الحيد العظيم موطنًا مناسبًا لإيواء حياة بحرية كاملة وتنوع بيولوچي من الكائنات الحية، لكن قبل الخوض في تفاصيل ذلك المخلوق الباهر، دعونا نتحدث أولًا عن كيف تكونت الشعاب المرجانية؟

تبدأ الأحداث بالهياكل العظمية للمخلوقات البحرية المتحللة وبعض نفايات الكائنات الحية، التي آل بها الحال أن تسقط وتستقر في قاع البحر، هنا تأتي تيارات المياه وتنقل لهذه الرواسب الكربون والطين حتى يتراكم عليها، ومع الوقت تتكون فوقها أعشاب البحر وأشجار المنجاروف والطحالب.
ثم يتحد مع كل ما سبق مخلوقات صغيرة الحجم تعرف بـ”الورم الحميد” -وهي أجسام هلامية تشبه في شكلها شقائق النعمان-، بعد هذا الاتحاد تقوم هذه الأجسام بتجميع أيونات الكالسيوم والكربون الموجودة في أعماق البحر، ثم تكوّن من خلالها هياكل المرجان الشبيهة بالصخور الصلبة.

ويتم هذا الاتحاد عن طريق تغذي الأورام الحميدة على الطحالب -التي تمتص الضوء لتُكسب الهيكل المرجاني لونه الزاهي-، ثم تبدأ الأورام بالانقسام مرة تلو الأخرى حتى تكبر ويكبر معها الهيكل المرجاني العظيم في شكل هيكل عظمي كلسي، متصل بقاع البحر بشكل تام لدرجة أن العواصف لا تستطيع زحزحته ولو سنتيمتر واحد.
في بداية التكوين يكون السور المرجاني صغير، لكن مع اتحاد الأورام الحميدة مع الطحالب مرارًا وتكرارًا يكبر هذا السور حتى يتجاوز قطره عدة أمتار.

أكبر هيكل حي على الكوكب يمكن مشاهته من الفضاء الخارجي
الحاجز المرجاني العظيم أو الحيد المرجاني عبارة عن تشكيل هائل من التجمعات المرجانية، يقع في بحر المرجان المطل على الساحل الشمالي الشرقي لولاية كوينزلاند بأستراليا، ويعد أكبر حاجز طبيعي في العالم، يمتد لمسافة 2300 كلم ويشمل أكثر من 900 جزيرة، تشغل مساحة 344 ألف كلم مربع ليتجاوز حجمه بذلك دولة أيطاليا.

أما بالنسبة للتكون الجيولوجي للشعاب المرجانية في الحيد المرجاني، فيُعتقد أنها قد بدأت بالتشكل قبل 18 مليون عام عندما تشكل حوض بحر المرجان، إلا أن معظم التشكيلات التي تظهر حاليًا تكونت خلال المليوني سنة الأخيرة.
ويعتبر الحاجز المرجاني العظيم أكبر هيكل طبيعي من الكائنات الحية على هذا الكوكب، لدرجة أنه يمكن مشاهدته من الفضاء الخارجي خاصة على كوكب القمر، لذلك صنفته اليونيسكو ضمن عجائب الدنيا السبع الطبيعية، واعتبرته أحد مواقع التراث العالمي.

جنة في أعماق البحار.. ما يضمه الحيد المرجاني العظيم
الحاجز المرجاني العظيم هو بمثابة جنة في أعماق البحار، تحتوي على أكثر من 600 نوع من الشعاب المرجانية الملونة الخلابة، وتضم أكثر من 350 نوع من المرجان بما يعادل حوالي 10% من إجمالي عدد المرجان الموجود في البحار.

تحتضن الشعاب المرجانية بين ثناياها حياة بحرية متكاملة، تشمل 30 نوع من الحيتان والدلافين والديدان، وأكثر من 5000 نوع من الرخويات، و100 نوع من قناديل البحر، بما في ذلك أنواع عديدة من الأسماك تقدر بنحو 1500 نوع، وحوالي 135 نوع من أسماك القرش والراي.

كذلك تأوي المناطق المحيطة بالحاجز المرجاني العظيم تنوعًا بيولوجيًا هامًا، فهي تعتبر موطنًا لأكثر من 215 نوع من الطيور، وأكثر من 2000 نوع من النباتات، وتعيش بها أنواع عديدة من جاموس البحر ومجموعات من السلاحف والتماسيح، وحوالي 17 نوع من الأفاعي السامة.

ويعد الحاجز المرجاني العظيم موطنًا أصليًا لقلعة بوكس جيليفيش، وأزرق الأخطبوط الحلقية والسمك الحجري، وغيرها من الكائنات الحية البحرية المتحجرة، التي كانت تعتبر من أكثر المخلوقات سمية على الإطلاق.

رحلة كوكب الزهرة.. القارة الأسطورية.. وقصة اكتشاف الحاجز المرجاني العظيم
تم اكتشاف الحاجز المرجاني العظيم من قبيل الصدفة البحتة، على يد القبطان والمستشكف البريطانى جيمس كوك في 11 يونيو عام 1770، على الرغم من دراية السكان الأصليون في استراليا بالشعاب المرجانية، وأنها قديمة جدًا لدرجة أن تاريخ نشأتها يعود إلى العصر الجليدي، وفقًا لما ذكره “المعهد الأسترالي لعلوم البحار والبحوث العلمية”.

في عام 1770 تم إرسال القبطان جيمس كوك في رحلة بحرية لمراقبة وتوثيق دوران كوكب الزهرة، وبعد أداء مهمته كلف بالبحث عن القارة الجنوبية الأسطورية، التي اعتقد الجغرافيين أنها موجودة بالقرب من القطب الجنوبي.

وفي أثناء رحلة الاستكشاف علقت سفينة كوك في البحر ولم تتمكن من الحركة، ليفاجأ الجميع أن السفينة عالقة في الحاجز المرجاني العظيم، -الذي لم يكن قد اكتشف بعد- حاول الطاقم تحرير السفينة من الأسر فقاموا بإلقاء حوالي 50 طن من البضائع المحملة على ظهر السفينة.
وبعد تحرر السفينة عاد كوك إلى بلاده ولم يكن قد توصل إلى القارة الأسطورية بعد، ولكنه عثر على ما هو أثمن بكثير “الحاجز المرجاني العظيم“.

المناخ وطبيعة البيئة في الحاجز المرجاني العظيم
يعتبر الحاجز المرجاني العظيم وجهة الغواصين الأولى؛ وذلك لأن مياؤه تتغير بشكل بسيط حسب اختلاف فصول السنة، ليس هذا فحسب بل يختلف مناخ الحاجز المرجانى العظيم من الشمال إلى الجنوب.
فنجد الشمال ذو مناخ مدارى ورطوبة عالية وموسم أمطار كبير في شهر يناير، أما الجنوب فيكون أكثر اعتدالًا وذو مناخ شبه مداري أو معتدل، ونادرًا ما تنخفض درجة حرارة مياه الحاجز عن 20°.

واجهة سياحية.. ما الذي سيدفعك للسفر إلى الحاجز المرجانى العظيم؟
بعد كل ما عرفته بالتأكيد سيكون الحيد المرجاني على قائمة سفرك لهذا العام، إذا أردت مشاهدة روعة الحياة البحرية على حقيقتها.
يقدم لك المكان مجموعة من الأنشطة المتنوعة، فإذا أردت الاستمتاع بالحاجز المرجاني بشكل كامل يمكنك الغوص للأعماق، في مياه دافئة مع الاستمتاع بمشهد الشعاب المرجانية الخلاب بشكل طبيعي.

أما إذا أحببت أن تقترب أكثر وكنت تخاف من الغوص، فعليك برحلات القوارب البحرية التي تستمر لمدة يوم أو عدة أيام، تأخذت على متن يخت فاخر مزود بقاع له مرصد زجاجي تحت الماء، حتى تعيش تجربة البقاء مع الكائنات ذات الألوان الزاهية.

وفي حال أردت أن ترى الصورة كاملة والمشهد متكامل، فلا تنسى التحليق بالهليكوبتر فوق الحاجز المرجاني العظيم وتجرب شعور الرؤية من الأعلى.

هل كنت تعلم أن فيلم كذبة الذهب الذي صدر عام 2008 بطولة كيت هدسون وماثيو ماكونهي، تم تصوير جزء منه على الشعاب المرجانية في الحاجز المرجاني العظيم!
يجتذب الحاجز المرجاني العظيم أكثر من مليوني زائر سنويًا مما يجعله من أكثر مناطق الجذب السياحي، ووجهة اقتصادية هامة بالنسبة لاستراليا، حيث تم تقدير العائد المادي من الحاجز المرجانى بقيمة 6 مليار و500 مليون دولار سنويًا.

ظاهرة ابيضاض المرجان.. خطر يواجه الحاجز المرجاني العظيم
قد نجد التقلبات المناخية في مياه الحاجز المرجانى العظيم مناسبة جدًا لجعل المياه دافئة للغطس، إلا أن هذه التقلبات تمثل خطرًا كبيرًا على الشعاب المرجانية، وتؤدي إلى ظاهرة ابيضاض المرجان.
تحدث ظاهرة ابيضاض المرجان عندما تزداد درجة حرارة المياه بشكل ملحوظ حول المرجان، فتموت الطحالب المتحدة مع الأورام الحميدة أو تغادر إلى مكان أقل حرارة، وبفقدان الطحالب المسئولة عن حياة المرجان وعملية تلوينه بألوان زاهية؛ يفقد المرجان لونه ويتحول إلى اللون الأبيض، ومع الوقت يتلف ويتدمر.

وفي عام 2016 أدت ظاهرة ابيضاض المرجان إلى موت ما بين 29% إلى 50% من الشعاب المرجانية.
وعملية ابيضاض المرجان لا تسببها فقط التقلبات المناخية، بل يشترك معها تغير كمياء المياه التي تحدث بسبب التلوث وكثرة الرواسب المتراكمة، وتعرض المرجان للمواد المستخدمة في صيد الاسماك.
فمنذ عام 1985 أدت الأضرار البيئية والتلوث إلى موت أكثر من نصف الشعاب المرجانية، كذلك في عام 2010 تعرض الحاجز المرجاني لخطر عظيم أثر اصطدام ناقلة فحم صينية به أثناء مرورها.

نجوم البحر المفترسة وموت الأورام الحميدة.. تهديدات خطيرة تؤثر على الحيد العظيم
يعد موت الأورام الحميدة من أكثر الأسباب التي تؤدي لتدمير الغطاء المرجاني، كما يحدث حاليًا عندما تدمر نحو 60% من الشعاب المرجانية.
والسبب في موت الأورام الحميدة يعود إلى انتشار نجوم البحر -التي تتغذى عليها بشكل كبير-، ويرجع كثرة نجوم البحر إلى عمليات الصيد الجائر للأسماك المفترسة التي تتغذى عليها؛ مما أدى إلى خلل في التوازن البيئي.

وبناء على ذلك شكلت حكومة أستراليا وحكومة كوينزلاند في عام 2015 خطة لحماية الحاجز المرجاني العظيم، تضمنت تحسين جودة المياه والحد من الصيد والحفاظ حياة المرجان، بالإضافة لترميم الشعاب المرجانية المتضررة، وقتل الأعداد الزائدة من نجم البحر الذي يتغذى عليها.
لكن للأسف كل هذه الجهود لن تستطيع مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي -الخطر المحدق الذي يهدد الكوكب-؛ لذا ستستمر درجة الحرارة بالارتفاع وستغادر الطحالب الشعاب المرجانية مع الوقت؛ لذلك ينبغي على جميع الدول أن تبذل جهدًا كبيرًا في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

التعليقات