الزمان: أكثر من 30 ألف عام ق.م
المكان: الجزائر في قلب الصحراء الكبرى الأفريقية
هل تخيلت يومًا وجود حضارة قديمة تعود إلى أكثر من 30 ألف عام ق.م، بالطبع يصعب تصديق هذا الأمر، لكن دعني أخبرك أن هذه الحضارة موجودة بالفعل في “كهوف الطاسيلي ناجر” أو كما عرفت باسم “كهوف ملوك الجان”، والتي لغرابتها بدأت النظريات تنتشر حولها، مثل: إمكانية السفر عبر الزمن، وحقيقة وجود الفضائين، أو حتى وجود كائنات أخرى كانت تعيش على الأرض قبل البشر، فما أصل هذه الحكاية؟

الجزائر.. جنة سياحية على الأرض
تعد الجزائر أكبر الدول العربية والافريقية والـ10 على العالم من حيث المساحة، وتعتبر بمثابة جنة سياحية على الأرض، حيث تجد الشلالات والوديان، كذلك السفاري والصحاري، ولن تُحرم أيضًا من مشاهدة المباني الأثرية المشيدة والتراث المعماري، بالإضافة لكونها بلد المليون شهيد.
لكن أكثر ما لفت الأنظار في الجزائر، هي هضبة الطاسيلي وغابتها الصخرية وكهوفها الغامضة، التي جعلت علماء الآثار ينعكفون أمامها سنوات عديدة، في محاولة الوصول إلى نظرية سليمة تشبع فضولهم الخصب.

طاسيلي ناجر.. أكبر متحف طبيعي في الهواء الطلق
الطاسيلي هي هضبة كبيرة تقع في قلب الصحراء الكبرى الأفريقية، تتخللها سلسلة جبلية وغابات صخرية، تغطي جزء كبير من جنوب الجزائر، وغرب ليبيا، وشمال النيجر، وأجزاء من مالي وبوركينا فاسو.
تقع هضبة الطاسيلي على ارتفاع يصل لأكثر من 2000 كم فوق سطح البحر، ويبلغ طولها 800 كم، في حين يتراوح عرضها من 50 إلى 60 كم، وتغطي مساحات شاسعة تقدر بـ72 ألف كم مربع.
وكلمة “طاسيلي” تعود إلى قبيلة الطوارق -أحد قبائل الأمازيغ‐ وتعني “السلسلة الجبلية التي يغطيها السواد”، أما بالنسبة لـ”ناجر”، الأرجح أنها تعني الوادي، فيكون المعنى مجملًا “هضبة الوادي”؛ وذلك لأن الصحراء الكبرى قديمًا كانت عبارة عن أراضي خضراء واسعة تغطيها الوديان.

التكسر الهلامي.. تشكيلات بركانية ورملية وأطلال قديمة بارزة
هناك ظاهرة تشتهر بها كهوف الطاسيلي تعرف باسم “التكسر الهلامي”، نشأت منذ ملايين السنين عندما جرفت المياه التربة، ثم جاء موسم الجفاف؛ فقامت الرياح بنحت الصخور الرخوة لفترة طويلة.
وبسبب قلة الأمطار والأنهار الاستثنائية، وعدم وجود غطاء نباتي يحتفظ بالماء التي تحفر الصخور، أضف لذلك الفرق في درجات الحرارة بين الليل والنهار والذي يصل في بعض الأحيان إلى 50°؛ حدث التآكل الكبير.
كل هذه العوامل جعلت الأحجار تنفجر وتصبح غبارًا رمليًا سميت بـ”التفلق الصخري” أو “التكسر الهلامي”، لذا أصبحنا نرى كهوف الطاسيلي تظهر في هيئة تشكيلات صخور بركانية ورملية تشبه الخراب والأطلال تعرف بـ”الغابات الحجرية”.
توجد الكهوف فوق هضبة مرتفعة، في منطقة تكثر بها الكثبان الرملية المتحركة، وتحتوي جدرانها على رسوم ونقوش تجسد حياة كاملة لحضارة قديمة عاشت قبل أكثر من 30 ألف عام.

تاريخ الطاسيلي.. الحقب التاريخية
أشار العلماء بعد دراسة الصحراء التي تقع فيها كهوف الطاسيلي أنها كانت عبارة عن مناطق رطبة مليئة بالأعشاب والنباتات الخضراء، وأطلقوا عليها “العصر الحجري الحديث” الذي امتد ما بين عامي 9000 و2500 ق.م، وفي تلك الفترة عاش البشر الأوائل معتمدين على الصيد؛ لتوفير الغذاء والملابس.
وبناء على دراسة نقوش كهوف الطاسيلي تم تقسيم تطور الحياة القديمة إلى 4 مراحل:
1- الحقبة البابلسية.. مرحلة الصيد البري 5000 ق.م
تتمحور نقوش الحقبة حول مجموعة من البقر الوحشي ووحيد القرن وفرس النهر، كما تُظهر مجموعة من الرجال يحملون العصي والرماح ويقومون بعمليات الصيد، وسميت هذه الحقبة بـ”الصيد البري”.

2- الحقبة البوڤيدية.. الرعي وتربية الحيوانات 4500-2500 ق.م
تجسد رسوم هذه المرحلة أشخاص مع قطعان الأغنام والماغز وبعض الحيوانات الأخرى، حيث بدء إنسان الطاسيلي احتراف الرعي وتربية الحيوانات.

3- حقبة الخيول 1200 ق.م
بينت الرسوم الإنسان الطاسيلي يربي الخيول ويستخدمها في جر العربات وقضاء احتياجاته.

4- حقبة الجمال 1200 ق.م
في تلك الفترة شهدت الطاسيلي عملية تصحر واسعة أدت إلى استبدال الإنسان الاحصنة بالجمال، كما تجسدها الرسوم على جدران الطاسيلي.

وقع جدل واسع بين العلماء حول التاريخ الأصلي لبدء الحقب، فعلى الرغم من بدء التقسيمات الزمنية من 5000 ق.م، إلا أن بعض العلماء يعتقدون أن تلك النقوش يتجاوز عمرها 30 ألف عام، لذا ما تزال الأبحاث العلمية قائمة للتأكد من العمر الحقيقي لهذه النقوش.
قصة أول اكتشاف ورحلة هنري وجبرين
تم اكتشاف كهوف الطاسيلي بالصدفة على يد العالم الفرنسي “رينان” عام 1938، حينما كان يعبر الحدود الجزائرية الليبية، حيث وجد تلك الكهوف وأبهرته برسومها ونقوشها، لدرجة أنه حاول تقديم رسم تقريبي لها عندما عاد لوطنه.

وفي عام 1956 تم إعادة اكتشاف كهوف الطاسيلي مرة أخرى، من قبل العالم الفرنسي “هنري لوط” وبمساعدة الدليل الجزائري “جبرين محمد مشار أبي بكر”، لكن هنري استغل محدودية إمكانيات جبرين وعدم قدرته على القراءة، فقام بتأليف كتاب “لوحات طاسيلي” عام 1965 ينسب فيه كل الفضل لنفسه.
وتجاهل هنري مساعدة جبرين له في الوصول إلى مواقع الكهوف، إلا أنه عاد واعترف بأحقية جبرين في هذا الإنجاز، بعد ضغط الدولة الجزائرية وبعض الأوساط العلمية عليه.

رسومات تجاوزت أفق العقل البشري
تكثر الرسومات على جدران كهوف الطاسيلي، التي تصور الحياة القديمة للإنسان البدائي، وكيف كان يعتمد على الرعي وتربية الحيوانات والصيد، كما تظهر صور لمروج ضخمة وخيول وحيوانات برية وحدائق غناء ومراسم دينية في دقة تصويرية فريدة من نوعها.

كل هذا يبدو أمرًا طبيعيًا بالنسبة لحضارة نشأت في القدم، لكن ما يدعو للغرابة بحق هي تلك النقوش التي تُظهر مخلوقات غير بشرية، يرتدون ملابس كرواد الفضاء ويطيرون في السماء.

كذلك الرسومات الغريبة للمركبات التي يخرج من أسفلها النار كألسنة اللهب، كما نراها حاليًا في الصواريخ ورواد فضاء غريبي الشكل.

أظهرت الرسوم أيضًا أشخاص يرون ملابس حديثة توجد في عصرنا الحالي، ورسومات لضفادع بشرية، وأطباق طائرة تهبط من السماء.

والأغرب هي تلك الكائنات التي لا تشبه البشر، وتظهر بكثرة في حضارة أهل طاسيلي القدماء.

هل سكن الأرض مخلوقات قبل البشر
من ضمن محاولات تفسير نقوش الطاسيلي، قيل بأن هذه النقوش تعود إلى مخلوقات قديمة سكنت الأرض قبل البشر، تدعى “الحِن والبِن”.
والتي ذكرها ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية”:
“خُلقت الجِن قبل آدم، وكان قبلهم الحِن والبِن، فسلط الله الجِن عليهم، فقتلوهم وأبادوهم، وسكنوها بعدهم”.
أما الطبري روى في تفسيره عن ابن عباس-رضى الله عنه- قال:
“أول من سكن الأرض الجِن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا”.
وظلت الاختلافات تنشأ بين العلماء وبدأ التساؤل يطرح نفسه، هل تعود تلك النقوش إلى الجن أما إلى كائنات سكنت الأرض قبلهم؟

لغز يتحدى الزمن.. نظريات تفسر نقوش كهوف الطاسيلي ناجر
أدخلت هذه الرسوم الغريبة العلماء في حالة من الدهشة الذهول، يحاولون بأي وسيلة إيجاد تفسير لها؛ مما أدى إلى تعدد النظريات والآراء:
النظرية الأولى.. الزيارة الفضائية
تتحدث هذه النظرية عن مخلوقات غريبة جاءت من الفضاء الخارجي في رحلة استكشافية.
وقابلها الإنسان البدائي وقام بتصويرها في رسوم على جدران الكهوف.
عارض هذه النظرية مجموعة من العلماء قائلين بأنه لو صحت هذه النظرية، فأين اختفي هؤلاء الزوار، ولمَ لم يفكروا بالعودة مرة أخرى؟!

النظرية الثانية.. اطلانتس المفقودة
يقول أنصار هذه النظرية بأنه بعد أن تعرضت قارة أطلانتس للغرق، لجأ الناجون منها إلى كهوف الطاسيلي، واستوطنوها وقاموا بنقل حضارتهم المتطورة إليها، ولكن لم يبق منها سوى بعض الرسوم على جدران تلك الكهوف.
لقى هذا الرأي معارضة شديدة، فكيف يمكن لسكان قارة أطلانتس التي تقع بين شبه الجزيرة الأيبيرية وبلاد المغرب -أسبانيا والبرتغال-، أن يصلوا إلى منطقة الطاسيلي والتي تبعد عنهم مسافة طويلة جدًا.

النظرية الثالثة.. السفر عبر الزمن
تقول النظرية أن أناس قدموا من المستقبل وتركوا هذه الرسوم لتوثيق حضارتهم وتقدمهم التكنولوچي.
لكن تم رفض النظرية؛ لأن فرضية السفر عبر الزمن أمر مستبعد ومستحيل عند كثير من العلماء.

النظرية الرابعة.. الحضارة المتطورة
تقول النظرية بأنه منذ قديم الزمان نشأت حضارة متقدمة ومزدهرة في منطقة الطاسيلي.
لكنها شهدت أحداث مهولة ربما كان إنفجار بيولوچي أدى إلى تدميرها بالكامل.
ولم تترك لنا سوى بعض الرسوم والنقوش، كدليل على وجودها في يوم من الأيام.
تعتبر أقرب النظريات إلى المنطق والصحة لدى كثير من العلماء، على الرغم من أن سبب اختفائها ما يزال لغزًا يؤرق العلماء.

حقيقة أساطير كهوف الطاسيلي.. أرباح ومشاهدات
ذكر أحد الآراء بأن السبب الحقيقي في انتشار وتعدد النظريات والأساطير حول الطاسيلي.
هو تحقيق الأرباح والمشاهدات المرتفعة، فالناس دائمًا ينجذبون للغرائب، ويحاولون تصديقها حتى وإن لم يوجد أي دليل يثبت صحتها.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن النقوش الغريبة لا تقتصر على الطاسيلي فحسب.
بل هي منتشرة حول العالم، فلا يكاد يخلو مكان في أفريقيا من هذا النوع من النقوش.
فنراها في الجزائر ومصر -كهف السباحين- وليبيا وتشاد ومالي وأنجولا، وغيرها من الدول.
ولا تعتبر الطاسيلي أقدم نقش صخري مكتشف حتى الآن.
ففي سولاويسي بإندونيسيا وجد أقدم نقش صخري، اختلفت تقديرات عمر في تحديد عمره الحقيقي ما بين 35 – 40 ألف سنة ق.م.

كهوف الطاسيلي ضمن قائمة التراث العالمي
أدخلت اليونسكو كهوف الطاسيلي ضمن قائمة التراث العالمي في عام 1982.
وتم اعتبارها إرثًا حضاريًا عالميًا بفضل ثروتها الثقافية.
وذلك بعد أن صنفتها اليونسكو ضمن الأرث التاريخي الوطني في يوليو عام 1972.

رحلة لا تنسي.. عش المغامرة
إذا أردت يومًا ما أن تزور كهوف طاسيلي ناجر، وتعيش المغامرة بين الرسوم والنقوش الفريدة.
فمن الأفضل لك أن تتجنب الذهاب خلال أشهر الصيف؛ حتى لا تتأذى من عاصفة الرمال العاتية.
ويبدأ الموسم السياحي الصحراوي في الجزائر من شهر سبتمبر حتى مايو.
ولكن يستحسن لك القيام بالزيارة ما بين نوفمبر وأبريل، حتى تستمتع بالطقس الجميل.

وختامًا على الرغم من إثارة كهوف الطاسيلي الكثير من الجدل، إلا أنها كانت وما تزال من أروع الاكتشافات التاريخية، التي تجسد حياة الإنسان البدائي، ترويها لنا النقوش في قصة كفاح وتطور مذهل.

التعليقات