فن الأركت بحي خان الخليلي.. «صناعة مصرية قديمة تحارب الانقراض»
حوار بوابة العالم الأوسط مع مصطفى كمال

تحتل الفنون التراثية مكانة هامة في المجتمعات، باعتبارها مثالًا للهوية الوطنية وتجسيدًا للموروثات الثقافية.

وعلى الرغم من اتجاه عصرنا الحالي للصناعات المميكنة، إلا أن هنالك من حافظوا على ذلك التراث من الاندثار، لم يكن شغلهم الشاغل جني ثروة طائلة أو تحقيق مكاسب أكبر؛ فاتجهوا حاملين لواء الاستمرارية بالحفاظ على تلك الحرف ونقلها للأجيال القادمة.

ويعتبر فن الأركت من أروع الفنون في العالم قديمًا وحديثًا، يعتمد على الحفر على النحاس وتفريغه وفق تصميم معين، خالقًا تحفة فنية رائعة يعشقها ملايين البشر، وللتعرف على هذا الفن بصورة أكبر التقت «بوابة العالم الأوسط» بمصطفى كمال، عامل فن الأركت بخان الخليلي.

 فن الأركت موهبة وإبداع تظهر على أيدي العاملين به في مشغولاتهم اليدوية، فكيف اكتشفت هذه الموهبة وطورتها، هل كانت وراثة أم التحقت بمراكز تعليم الحرف اليدوية أم شيء آخر؟

لقد كانت وراثة فوالدي يعمل في النقش على المعادن المختلفة من نحاس وفضة.

وكنت أنا وأخوتي نراقبه أثناء عمله، ونلاحظ كيف يقوم بتقطيع النحاس لأشكال مختلفة.

وعندما كبرت قليلًا أخذني والدى لأتدرب معه في ورشته بخان الخليلي؛ فأحببت هذا الفن كثيرًا.

وعملت على صقل موهبتي لأقدم مشغولات قيمة.

كان الأمر شغفًا في البداية ولكنه تطور إلى أن صار عمل ، فمتى قررت أن تتخذ هذه الحرفة كمهنة لك؟

بعد أن أنهيت دراستي الجامعية بكلية الحقوق، كان بإمكاني أن أكون محاميًا.

ولكني آثرت العمل بالأركت لأحافظ على هذا التراث الأصيل، كما أن شغفي الشديد جعلني أبدع فيها، وأتخذها مهنتي الأصلية.

إن أردنا الحديث عن الحرف اليدوية فلا شك أن الفراعنة هم رواد العصور في هذا الشأن، فكانت الحرف التقليدية بالنسبة لهم بمثابة الصناعات الثقيلة، والتي تمثلت في آثارهم المخلدة حتى الآن، المطعمة بالفضة والنحاس، فحدثنا كيف نشأت صناعة الاركت في مصر، وانتقلت منها إلى دول العالم؟

ظهر الأركت في التراث المصري القديم لأول مرة، مجسدًا في أثاث حُفر عليه أشكال فرعونية مطعمة بالصدف والعاج، وغيرها من الخامات التي استخدمها المصري القديم بدء من الخشب والنحاس ومرورًا بالمعادن المختلفة.

وفي القرن 18 انتقل هذا الفن إلى أوروبا وبالتحديد فرنسا، حيث قاموا بإستعماله في الأثاث المُحلى بالنحاس الأصفر.

على الرغم من كون الأركت من الفنون الجميلة، إلا أنه يحتاج للصبر والمثابرة والجهد الكبير، كما يتطلب الدقة والمهارة حتى يصبح عملًا سهلًا وبسيطًا، فكيف تجرى عملية صناعة الأركت، وكم تتطلب من وقت؟

يستغرق فن الأركت وقت طويل لإخراج تحفة فنية، ولكن مدته تختلف من تصميم لآخر.

وقد يتطلب الأمر أن أقضي 10 ساعات لأنهي أحد التصاميم.

أما بالنسبة لعملية الصناعة فالأمر يبدأ مع المشترى الذي يحدد لي التصميم المطلوب، سواء كان خاتم أو سوار أو حلق وكذلك الكلمة التي يرغب في تفريغها.

فأذهب إلى الخطاط لأكتب التصميم على الورق، الذي ألصقه بالخامة المطلوبة، وغالبًا ما تكون نحاس أو فضة.

أقوم تاليًا بقص وتفريغ المناطق غير المرغوب فيها لأصل إلى الشكل المطلوب.

وإن كان التصميم على سبيل المثال خاتمًا يتطلب فصوص معينة ألصقها في الشكل المفرغ.

وأخيرًا أذهب إلى ورش التلميع لتشطيبه وإبراز المنتج النهائي.

تعتمد على يديك كعامل أساسي لإظهار هذا الإبداع، ولكن هناك أدوات أخرى تستعين بها حتى يكون العمل متكامل، فما الأدوات والخامات التي تستخدمها في فن الأركت؟

استعمل رسوم التصميم والزخرفة في تحديد المقاييس المطلوبة، فاتبع الخطوط المرسومة بدقة، ليظهر العمل بشكل جميل.

أما بالنسبة للتفريغ فاستعمل المنشار اليدوى أو الريش، وعند تنعيم السطح فألجئ إلى السنفرة؛ لإزالة الزوائد.

وتعد فرشاة الطلاء خير مثال لإعطاء الشكل اللمسة النهائية.

أما الخامات فتكون بناء على طلب المشترى، ولكنها لا تخرج عن نطاق الفضة والنحاس بنوعيه الأحمر والأصفر.

في القديم أُدرجت الحرف المتوارثة تحت قاعدة صناعية، تشمل حرفيون يعملون تحت نظام دقيق وهو نظام الطوائف الحرفية، كل له قواعده وأصوله وشيوخه، فهل هناك الآن ورش خاصة بفن الأركت؟

كل حرفي له ورشة خاصة به يعرض فيها مشغولاته وكذلك له زبائنه المعتادين.

أما بالنسبة لي فورشتي تقع في أحد ربوع خان الخليلي.

يحتل هذا فن الأركت مكانة كبيرة بين الفنون، فيستطيع بأشكاله الجميلة أن يجذب أصحاب الذوق الرفيع، فما نسبة الإقبال على هذه الصناعة من المصريين والسياح؟

كثير من الأجانب لا يحبون سوى الشغل اليدوي.

فالأجنبي لا يقتنع بالعمل إلا عندما يراني وأنا أصنعه بيدي، فترتسم على وجهه ملامح السعادة.

وكذلك المصريون فمنهم من يقدّرون هذا الفن ويقبلون عليه، ومنهم من يختصر الطريق ويشتري “الجاهز”.

كانت هذه المهنة محببة بالنسبة لك من البداية، لدرجة أنك فضلت العمل بها على العمل بشهادتك الجامعية، فهل تظن أن هناك أحدًا قد يقدم على هذه الخطوة أيضًا؟ وما نسبة العاملين بهذا الفن؟

في البداية عمل الكثيرون بهذه الحرفة، ولكن ما مررنا به من صعوبات تمثلت في ثورة يناير وجائحة كرونا؛ جعلت الكثيرين يتركون العمل، ويمتهنون شئ آخر.

فمنهم من عمل على عربات النقل؛ وترتب على ذلك انخفاض نسبة العاملين بفن الأركت.

بعد عملك طوال هذه السنوات بفن الأركت، في رأيك هل أخذت الحرفة حقها الكافي؟

الموضوع نسبي فهناك من يقدر هذا العمل ويحب أن يرى كيف يخرج من قطعة نحاس ذلك الشكل الجمالي.

أما من لا يفهم هذا الفن فلا يقبل عليه.

فن الأركت مر بحقب كثيرة، وتعاقبت عليه العصور المختلفة، فهل ترى أنه قد يستمر طويلًا ويكمل الطريق الذي خاض غماره منذ البداية، أم أنه في طريقه للانقراض؟

لا أستطيع أن أجزم أنه في طريقه للانقراض.

فعلى الرغم من كون المهنة تتطلب وقت ومجهود كبيرين، لم أفكر أبدًا أن أتركها.

وسأستمر في العمل بها؛ لأنه التاريخ الذي تركه لنا أجدادنا ومن واجبنا الحفاظ عليه.

اقرأ أيضا:

تناول هذه الأطعمة لتشعر بالدفء

هذا ما يحدث لجسدك عندما تمارس «اليوجا» يوميا

أشعر بشئ يمنعني عن الصلاة فماذا أفعل؟.. دار الإفتاء تجيب

8 سنن يستحب للمسلم فعلها يوم الجمعة

عزف «آن» وصرخات «هيلانة» .. أغرب حوادث قصر البارون

التعليقات